تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 186

مساهمون:

ص١٨٦
والزيادة والنقصان لا يعقل تحقق الوجوب في حقه بهذا المعنى ، الثالث : أنه تعالى تمدح بقبول التوبة في هذه الآية ، ولو كان ذلك واجباً لما تمدح به ، لأن أداء الواجب لا يفيد المدح والثناء والتعظيم . المسألة الخامسة : * ( عن ) * في قوله تعالى : * ( عن عباده ) * فيه وجهان : الأول : أنه لا فرق بين قوله : * ( عن عباده ) * وبين قوله : من عباده يقال : أخذت هذا منك وأخذت هذا عنك . والثاني : قال القاضي : لعل * ( عن ) * أبلغ لأنه ينبئ عن القبول مع تسهيل سبيله إلى التوبة التي قبلت ، وأقول : إنه لم يبين كيفية دلالة لفظة * ( عن ) * على هذا المعنى ، والذي أقوله إن كلمة * ( عن ) * وكلمة " من " متقاربتان ، إلا أن كلمة * ( عن ) * تفيد البعد ، فإذا قيل : جلس فلان عن يمين الأمير ، أفاد أنه جلس في ذلك الجانب لكن مع ضرب من البعد فقوله : * ( عن عباده ) * يفيد أن التائب يجب أن يعتقد في نفسه أنه صار مبعداً عن قبول الله تعالى له بسبب ذلك الذنب ، ويحصل له انكسار العبد الذي طرده مولاه ، وبعده عن حضرة نفسه ، فلفظة * ( عن ) * كالتنبيه على أنه لا بد من حصول هذا المعنى للتائب . المسألة السادسة : قوله : * ( ويأخذ الصدقات ) * فيه سؤال : وهو أن ظاهر هذه الآية يدل على أن الآخذ هو الله وقوله : * ( خذ من أموالهم صدقة ) * يدل على أن الآخذ هو الرسول عليه الصلاة والسلام وقوله عليه السلام لمعاذ : " خذها من أغنيائهم " يدل على أن آخذ تلك الصدقات هو معاذ وإذا دفعت الصدقة إلى الفقير فالحس يشهد أن آخذها هو الفقير فكيف الجمع بين هذه الألفاظ ؟ والجواب من وجهين : الأول : أنه تعالى لما بين في قوله : * ( خذ من أموالهم صدقة ) * أن الآخذ هو الرسول ، ثم ذكر في هذه الآية أن الآخذ هو الله تعالى ، كان المقصود منه أن أخذ الرسول قائم مقام أخذ الله تعالى ، والمقصود منه التنبيه على تعظيم شأن الرسول من حيث إن أخذه للصدقة جار مجرى أن يأخذها الله ، ونظيره قوله تعالى : * ( إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله ) * ( الفتح : 10 ) وقوله : * ( إن الذين يؤذون الله ) * ( الأحزاب : 57 ) والمراد منه إيذاء النبي عليه السلام . والجواب الثاني : أنه أضيف إلى الرسول عليه السلام بمعنى أنه يأمر بأخذها ويبلغ حكم الله في هذه الواقعة إلى الناس ، وأضيف إلى الفقير بمعنى أنه هو الذي يباشر الأخذ ، ونظيره أنه تعالى أضاف التوفي إلى نفسه بقوله تعالى : * ( وهو الذي يتوفاكم ) * ( الأنعام : 60 ) وأضافه إلى ملك الموت ، وهو قوله تعالى : * ( قل يتوفاكم ملك الموت ) * ( السجدة : 11 ) وأضافه إلى الملائكة الذين هم أتباع ملك الموت ، وهو قوله : * ( حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا ) * ( الأنعام : 61 ) فأضيف إلى الله بالخلق وإلى ملك الموت للرياسة في ذلك النوع من العمل ، وإلى أتباع ملك الموت ، يعني أنهم هم الذين يباشرون الأعمال التي عندها يخلق الله الموت ، فكذا ههنا .