تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 98

مساهمون:

ص٩٨
ويدل على الحاجة إلى الصانع القادر المختار . وثامنها : أن هذه الأجسام لا تخلو عن الحركة والسكون وهما محدثان ، وما لا يخلو عن المحدث فهو محدث ، فهذه الأجسام محدثة ، وكل محدث فقد حصل حدوثه في وقت معين ، وذلك خلق وتقدير ولا بد له من الصانع القادر المختار . وتاسعها : أن الأجسام متماثلة فاختصاص بعضها بالصفات التي لأجلها كانت سماوات وكواكب ، والبعض الآخر بالصفات التي لأجلها كانت أرضاً أو ماء أو هواء أو ناراً لا بد وأن يكون أمراً جائزاً ، وذلك لا يحصل إلا بتقدير مقدر وتخصيص مخصص وهو المطلوب . وعاشرها : أنه كما حصل الامتياز المذكور بين الأفلاك والعناصر فقد حصل أيضاً مثل هذا الامتياز بين الكواكب وبين الأفلاك وبين العناصر ، بل حصل مثل هذا الامتياز بين كل واحد من الكواكب ، وذلك يدل على الافتقار إلى الفاعل القادر المختار . واعلم أن الخلق عبارة عن التقدير ، فإذا دللنا على أن الأجسام متماثلة وجب القطع بأن كل صفة حصلت لجسم معين ، فإن حصول تلك الصفة ممكن لسائر الأجسام ، وإذا كان الأمر كذلك كان اختصاص ذلك الجسم المعين بتلك الصفة المعينة خلقاً وتقديراً فكان داخلاً تحت قوله سبحانه * ( إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض ) * والله أعلم . المسألة الثالثة : لسائل أن يسأل فيقول : كون هذه الأشياء مخلوقة في ستة أيام لا يمكن جعله دليلاً على إثبات الصانع ؟ وبيانه من وجوه : الأول : أن وجه دلالة هذه المحدثات على وجود الصانع هو حدوثها أو إمكانها أو مجموعهما فإما وقوع ذلك الحدوث في ستة أيام أو في يوم واحد فلا أثر له في ذلك البتة . والثاني : أن العقل يدل على أن الحدوث على جميع الأحوال جائز ، وإذا كان كذلك فحينئذ لا يمكن الجزم بأن هذا الحدوث وقع في ستة أيام إلا بأخبار مخبر صادق ، وذلك موقوف على العلم بوجود الإله الفاعل المختار ، فلو جعلنا هذه المقدمة مقدمة في إثبات الصانع لزم الدور . والثالث : أن حدوث السماوات والأرض دفعة واحدة أدل على كمال القدرة والعلم من حدوثها في ستة أيام . إذا ثبت ما ذكرناه من الوجوه الثلاثة فنقول : ما الفائدة في ذكر أنه تعالى إنما خلقها في ستة أيام في إثبات ذكر ما يدل على وجود الصانع ؟ والرابع : أنه ما السبب في أنه اقتصر ههنا على ذكر السماوات والأرض ، ولم يذكر خلق سائر الأشياء ؟ السؤال الخامس : اليوم إنما يمتاز عن الليلة بسبب طلوع الشمس وغروبها فقبل خلق الشمس والقمر كيف يعقل حصول الأيام ؟