من أحوالهما ، وذلك التقدير يحتمل وجوهاً كثيرة : أولها : تقدير ذواتهما بمقدار معين مع أن العقل يقضي بأن الأزيد منه والأنقص منه جائز ، فاختصاص كل واحد منهما بمقداره المعين لا بد وأن يكون بتخصيص مخصص ، وذلك يدل على افتقار خلق السماوات والأرض إلى الفاعل المختار . وثانيها : أن كون هذه الأجسام متحركة في الأزل محال ، لأن الحركة انتقال من حال إلى حال ، فالحركة يجب كونها مسبوقة بحالة أخرى ، والأزل ينافي المسبوقية فكان الجمع بين الحركة وبين الأزل محالاً . إذا ثبت هذا فنقول : هذه الأفلاك والكواكب إما أن يقال : أن ذواتها كانت معدومة في الأزل ثم وجدت ، أو يقال : إنها وإن كانت موجودة لكنها كانت واقفة ساكنة في الأزل ، ثم ابتدأت بالحركة ، وعلى التقديرين فتلك الحركات ابتدأت بالحدوث والوجود في وقت معين مع جواز حصولها قبل ذلك الوقت وبعده ، وإذا كان كذلك كان اختصاص ابتداء تلك الحركات بتلك الأوقات المعينة تقديراً وخلقاً ، ولا يحصل ذلك الاختصاص إلا بتخصيص مخصص قادر ومختار . وثالثها : أن أجرام الأفلاك والكواكب والعناصر مركبة من أجزاء صغيرة ، ولا بد وأن يقال : إن بعض تلك الأجزاء حصلت في داخل تلك الأجرام وبعضها حصلت على سطوحها فاختصاص حصول كل واحدة من تلك الأجزاء بحيزه المعين لا بد وأن يكون لتخصيص المخصص القادر المختار . ورابعها : أن بعض الأفلاك أعلى من بعض ، وبعض الكواكب حصل في المنطقة وبعضها في القطبين ، فاختصاص كل واحد منهما بموضعه المعين لا بد وأن يكون لتخصيص مخصص قادر مختار . وخامسها : أن كل واحد من الأفلاك متحرك إلى جهة مخصوصة ، وحركة مختصة بمقدار معين مخصوص من البطء والسرعة ، وذلك أيضاً خلق وتقدير ويدل على وجود المخصص القادر . وسادسها : أن كل واحد من الكواكب مختص بلون مخصوص مثل كمودة زحل ، ودرية المشتري ، وحمرة المريخ ، وضياء الشمس ، وإشراق الزهرة ، وصفرة عطارد ، وزهور القمر ، والأجسام متماثلة في تمام الماهية . فكان اختصاص كل واحد منها بلونه المعين خلقاً وتقديراً ودليلاً على افتقارها إلى الفاعل المختار . وسابعها : أن الأفلاك والعناصر مركبة من الأجزاء الصغيرة ، وواجب الوجود لا يكون أكثر من واحد فهي ممكنة الوجود في ذواتها ، فكل ما كان ممكناً لذاته فهو محتاج إلى المؤثر ، والحاجة إلى المؤثر لا تكون في حال البقاء ، وإلا لزم تكون الكائن فتلك الحاجة لا تحصل إلا في زمان الحدوث ، أو في زمان العدم . وعلى التقديرين فيلزم كون هذه الأجزاء محدثة ومتى كانت محدثة كان حدوثها مختصاً بوقت معين وذلك خلق وتقدير
تفسير الرازي — صفحة 97
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٩٧