في الطباع مستقبحاً في العقول وقوله : * ( ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين ) * ( الأعراف : 20 ) يمكن أن يكون هذا الكلام ذكره إبليس بحيث خاطب به آدم وحواء ، ويمكن أيضاً أن يكون وسوسة أوقعها في قلوبهما ، والأمران مرويات إلا أن الأغلب أنه كان ذلك على سبيل المخاطبة بدليل قوله تعالى : * ( وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين ) * ومعنى الكلام أن إبليس قال لهما في الوسوسة : إلا أن تكون ملكين وأراد به أن تكونا بمنزلة الملائكة إن أكلتما منها أو تكونا من الخالدين إن أكلتما ، فرغبهما بأن أوهمهما أن من أكلها صار كذلك وإنه تعالى إنما نهاهما عنها لكي لا يكونا بمنزلة الملائكة ولا يخلدا ، وفي الآية سؤالات :
السؤال الأول : كيف أطمع إبليس آدم في أن يكون ملكاً عند الأكل من الشجرة مع أنه شاهد الملائكة متواضعين ساجدين له معترفين بفضله . والجواب : من وجوه : الأول : أن هذا المعنى أحد ما يدل على أن الملائكة الذين سجدوا لآدم هم ملائكة الأرض . أما ملائكة السماوات وسكان العرش والكرسي والملائكة المقربون فما سجدوا البتة لآدم ، ولو كانوا سجدوا له لكان هذا التطميع فاسداً مختلاً . وثانيها : نقل الواحدي عن بعضهم أنه قال : إن آدم علم أن الملائكة لا يموتون إلى يوم القيامة ، ولم يعلم ذلك لنفسه فعرض عليه إبليس أن يصير مثل الملك في البقاء ، وأقول : هذا الجواب ضعيف ، لأن على هذا التقدير المطلوب من الملائكة هو الخلود وحينئذ لا يبقى فرق بين قوله : * ( إلا أن تكونا ملكين ) * ( الأعراف : 20 ) وبين قوله : * ( أو تكونا من الخالدين ) * ( الأعراف : 20 ) .
والوجه الثاني : قال الواحدي : كان ابن عباس يقرأ ملكين ويقول : ما طمعا في أن يكونا ملكين لكنهما استشرفا إلى أن يكونا ملكين ، وإنما أتاهما الملعون من جهة الملك ، ويدل على هذا قوله : * ( هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى ) * ( طه : 20 ) وأقول هذا الجواب أيضاً ضعيف ، وبيانه من وجهين : الأول : هب أنه حصل الجواب على هذه القراءة : فهل يقول ابن عباس إن تلك القراءة المشهورة باطلة . أو لا يقول ذلك ؟ والأول باطل ، لأن تلك القراءة قراءة متواترة ، فكيف يمكن الطعن فيها ، وأما الثاني : فعلى هذا التقدير الإشكال باق . لأن على تلك القراءة يكون بالتطميع قد وقع في أن يصير بواسطة ذلك الأكل من جملة الملائكة وحينئذ يعود السؤال .
والوجه الثاني : أنه تعالى جعل سجود الملائكة والخلق له في أن يسكن الجنة ، وأن يأكل منها رغداً كيف شاء وأراد ، ولا مزيد في الملك على هذه الدرجة .
السؤال الثاني : هل تدل هذه الآية على أن درجة الملائكة أكمل وأفضل من درجة النبوة .
والجواب من وجوه : الأول : أنا إذا قلنا إن هذه الواقعة كانت قبل النبوة لم يدل على ذلك
تفسير الرازي — صفحة 47
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٤٧