تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 46

مساهمون:

ص٤٦
والجواب : قال الحسن : كان يوسوس من الأرض إلى السماء وإلى الجنة بالقوة الفوقية التي جعلها الله تعالى له ، وقال أبو مسلم الأصفهاني : بل كان آدم وإبليس في الجنة لأن هذه الجنة كانت بعض جنات الأرض ، والذي يقوله بعض الناس من أن إبليس دخل في جوف الحية ودخلت الحية في الجنة فتلك القصة الركيكة مشهورة ، وقال آخرون : إن آدم وحواء ربما قرباً من باب الجنة ، وكان إبليس واقفاً من خارج الجنة على بابها ، فيقرب . فيقرب أحدهما من الآخر وتحصل الوسوسة هناك . السؤال الثاني : أن آدم عليه السلام كان يعرف ما بينه وبين إبليس من العداوة فكيف قبل قوله . والجواب : لا يبعد أن يقال إن إبليس لقي آدم مراراً كثيرة ورغبه في أكل الشجرة بطرق كثيرة فلأجل المواظبة والمداومة على هذا التمويه أثر كلامه في آدم عليه السلام . السؤال الثالث : لم قال : * ( فوسوس لهما الشيطان ) * . والجواب : معنى وسوس له أي فعل الوسوسة لأجله والله أعلم . أما قوله تعالى : * ( ليبدي لهما ) * في هذا اللام قولان : أحدهما : أنه لام العاقبة كما في قوله : * ( فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً ) * ( القصص : 8 ) وذلك لأن الشيطان لم يقصد بالوسوسة ظهور عورتهما ، ولم يعلم أنهما إن أكلا من الشجرة بدت عوراتها ، وإنما كان قصده أن يحملهما على المعصية فقط . الثاني : لا يبعد أيضاً أن يقال : إنه لام الغرض ثم فيه وجهان : أحدهما : أن يجعل بدو العورة كناية عن سقوط الحرمة وزوال الجاه ، والمعنى : أن غرضه من إلقاء تلك الوسوسة إلى آدم زوال حرمته وذهاب منصبه . والثاني : لعله رأى في اللوح المحفوظ أو سمع من بعض الملائكة أنه إذا أكل من الشجرة بدت عورته ، وذلك يدل على نهاية الضرر وسقوط الحرمة ، فكان يوسوس إليه لحصول هذا الغرض ، وقوله : * ( ما وري عنهما من سوآتهما ) * فيه مباحث : البحث الأول : ما وري مأخوذ من المواراة يقال : واريته أي سترته . قال تعالى : يواري سوأة أخيه . وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي لما أخبره بوفاة أبيه : " اذهب فواره " . البحث الثاني : السوأة فرج الرجل والمرأة ، وذلك لأن ظهوره يسوء الإنسان . قال ابن عباس رضي الله عنهما كأنهما قد ألبسا ثوباً يستر عورتهما ، فلما عصيا زال عنهما ذلك الثوب فذلك قوله تعالى : * ( فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما ) * . البحث الثالث : دلت هذه الآية على أن كشف العورة من المنكرات وإنه لم يزل مستهجناً
تفسير الرازي — صفحة 46 | فخر الدين الرازي