للملائكة : * ( اسجدوا لآدم ) * بهذا القياس ، فلو كان تخصيص النص بالقياس جائزاً لوجب أن لا يستحق إبليس الذم على هذا العمل : وحيث استحق الذم الشديد عليه ، علمنا أن تخصيص النص بالقياس لا يجوز ، وأيضاً ففي الآية دلالة على صحة هذه المسألة من وجه آخر ، وذلك لأن إبليس لما ذكر هذا القياس قال تعالى : * ( اهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها ) * فوصف تعالى إبليس بكونه متكبراً بعد أن حكى عنه ذلك القياس الذي يوجب تخصيص النص ، وهذا يقتضي أن من حاول تخصيص عموم النص بالقياس تكبر على الله ، ولما دلت هذه الآية على أن تخصيص عموم النص بالقياس تكبر على الله ، ودلت هذه الآية على أن التكبر على الله يوجب العقاب الشديد والإخراج من زمرة الأولياء والإدخال في زمرة الملعونين ، ثبت أن تخصيص النص بالقياس لا يجوز . وهذا هو المراد مما نقله الواحدي في " البسيط " ، عن ابن عباس أنه قال : كانت الطاعة أولى بإبليس من القياس ، فعصى ربه وقاس ، وأول من قاس إبليس ، فكفر بقياسه ، فمن قاس الدين بشيء من رأيه قرنه الله مع إبليس . هذا جملة الألفاظ التي نقلها الواحدي في " البسيط " عن ابن عباس .
فإن قيل : القياس الذي يبطل النص بالكلية باطل .
أما القياس الذي يخصص النص في بعض الصور فلم قلتم أنه باطل ؟ وتقريره أنه لو قبح أمر من كان مخلوقاً من النار بالسجود لمن كان مخلوقاً من الأرض ، لكان قبح أمر من كان مخلوقاً من النور المحض بالسجود لمن كان مخلوقاً من الأرض أولى وأقوى ، لأن النور أشرف من النار ، وهذا القياس يقتضي أن يقبح أمر أحد من الملائكة بالسجود لآدم ، فهذا القياس يقتضي رفع مدلول النص بالكلية وأنه باطل .
وأما القياس الذي يقتضي تخصيص مدلول النص العام ، لم قلتم : إنه باطل ؟ فهذا سؤال حسن أوردته على هذه الطريقة وما رأيت أحداً ذكر هذا السؤال ويمكن أن يجاب عنه ، فيقال : إن كونه أشرف من غيره يقتضي قبح أمر من لا يرضى أن يلجأ إلى خدمة الأدنى الأدون ، أما لو رضي ذلك الشريف بتلك الخدمة لم يقبح ، لأنه لا اعتراض عليه في أنه يسقط حق نفسه ، أما الملائكة فقد رضوا بذلك ، فلا بأس به ، وأما إبليس فإنه لم يرض بإسقاط هذا الحق ، فوجب أن يقبح أمره بذلك السجود ، فهذا قياس مناسب ، وأنه يوجب تخصيص النص ولا يوجب رفعه بالكلية ولا إبطاله . فلو كان تخصيص النص بالقياس جائزاً ، لما استوجب الذم العظيم ، فلما استوجب استحقاق هذا الذم العظيم في حقه علمنا أن ذلك إنما كان لأجل أن تخصيص النص بالقياس غير جائز . والله أعلم .
تفسير الرازي — صفحة 34
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٣٤