تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 32

مساهمون:

ص٣٢
بأن كلمة من كتاب الله لغو لا فائدة فيها مشكل صعب ، وعلى هذا القول ففي تأويل الآية وجهان : الأول : أن يكون التقدير : أي شيء منعك عن ترك السجود ؟ ! ويكون هذا الاستفهام على سبيل الإنكار ومعناه : أنه ما منعك عن ترك السجود ؟ ! كقول القائل لمن ضربه ظلماً : ما الذي منعك من ضربي ، أدينك ، أم عقلك ، أم حياؤك ؟ ! والمعنى : أنه لم يوجد أحد هذه الأمور ، وما امتنعت من ضربي . الثاني : قال القاضي : ذكر الله المنع وأراد الداعي فكأنه قال : ما دعاك إلى أن لا تسجد ؟ ! لأن مخالفة أمر الله تعالى حالة عظيمة يتعجب منها ويسأل عن الداعي إليها . المسألة الثالثة : احتج العلماء بهذه الآية على أن صيغة الأمر تفيد الوجوب ، فقالوا : إنه تعالى ذم إبليس بهذه الآية على ترك ما أمر به ولو لم يفد الأمر الوجوب لما كان مجرد ترك المأمور به موجباً للذم . فإن قالوا : هب أن هذه الآية تدل على أن ذلك الأمر كان يفيد الوجوب ، فلعل تلك الصيغة في ذلك الأمر كانت تفيد الوجوب . فلم قلتم إن جميع الصيغ يجب أن تكون كذلك ؟ قلنا : قوله تعالى : * ( ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك ) * يفيد تعليل ذلك الذم بمجرد ترك الأمر ، لأن قوله : * ( إذ أمرتك ) * مذكور في معرض التعليل ، والمذكور في قوله : * ( إذ أمرتك ) * هو الأمر من حيث أنه أمر لا كونه أمراً مخصوصاً في صورة مخصوصة ، وإذا كان كذلك ، وجب أن يكون ترك الأمر من حيث أنه أمر موجباً للذم ، وذلك يفيد أن كل أمر فإنه يقتضي الوجوب وهو المطلوب . المسألة الرابعة : احتج من زعم أن الأمر يفيد الفور بهذه الآية قال : إنه تعالى ذم إبليس على ترك السجود في الحال ، ولو كان الأمر لا يفيد الفور لما استوجب هذا الذم بترك السجود في الحال . المسألة الخامسة : اعلم أن قوله تعالى : * ( ما منعك ألا تسجد ) * طلب الداعي الذي دعاه إلى ترك السجود ، فحكى تعالى عن إبليس ذكر ذلك الداعي ، وهو أنه قال : * ( أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين ) * ومعناه : أن إبليس قال إنما لم أسجد لآدم ، لأني خير منه ، ومن كان خيراً من غيره فإنه لا يجوز أمر ذلك الأكمل بالسجود لذلك الأدون ! ثم بين المقدمة الأولى وهو قوله : * ( أنا خير منه ) * بأن قال : * ( خلقتني من نار وخلقته من طين ) * والنار أفضل من الطين والمخلوق من الأفضل أفضل ، فوجب كون إبليس خيراً من آدم . أما بيان أن النار أفضل من الطين ، فلأن النار مشرق علوي لطيف خفيف
تفسير الرازي — صفحة 32 | فخر الدين الرازي