تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 30

مساهمون:

ص٣٠
خلقنا أباكم آدم وصورناكم ، أي صورنا آدم * ( ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ) * ( الأعراف : 11 ) وهو قول الحسن ويوسف النحوي وهو المختار ، وذلك لأن أمر الملائكة بالسجود لآدم تأخر عن خلق آدم وتصويره ، ولم يتأخر عن خلقنا وتصويرنا أقصى ما في الباب أن يقال : كيف يحسن جعل خلقنا وتصويرنا كناية عن خلق آدم وتصويره ؟ فنقول : إن آدم عليه السلام أصل البشر ، فوجب أن تحسن هذه الكناية نظيرة قوله تعالى : * ( وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور ) * ( البقرة : 63 ) أي ميثاق أسلافكم من بني إسرائيل في زمان موسى عليه السلام ، ويقال : قتلت بنو أسد فلاناً ، وإنما قتله أحدهم . قال عليه السلام : ثم أنتم يا خزاعة قد قتلتم هذا القتيل ، وإنما قتله أحدهم ، وقال تعالى مخاطباً لليهود في زمان محمد صلى الله عليه وسلم : * ( وإذا أنجيناكم من آل فرعون ) * ( الأعراف : 141 ) * ( وإذ قتلتم نفساً ) * ( البقرة : 72 ) والمراد من جميع هذه الخطابات أسلافهم ، فكذا ههنا . الثاني : أن يكون المراد من قوله : * ( خلقناكم ) * آدم * ( ثم صورناكم ) * ( الأعراف : 11 ) أي صورنا ذرية آدم عليه السلام في ظهره ، ثم بعد ذلك قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ، وهذا قول مجاهد . فذكر أنه تعالى خلق آدم أولاً ، ثم أخرج أولاده من ظهره في صورة الذر ، ثم بعد ذلك أمر الملائكة بالسجود لآدم . الوجه الثالث : خلقناكم ثم صورناكم ثم إنا نخبركم أنا قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ، فهذا العطف يفيد ترتيب خبر على خبر ، ولا يفيد ترتيب المخبر على المخبر . والوجه الرابع : أن الخلق في اللغة عبارة عن التقدير ، كما قررناه في هذا الكتاب ، وتقدير الله عبارة عن علمه بالأشياء ومشيئته لتخصيص كل شيء بمقداره المعين فقوله : * ( خلقناكم ) * إشارة إلى حكم الله وتقديره لإحداث البشر في هذا العالم . وقوله : * ( صورناكم ) * إشارة إلى أنه تعالى أثبت في اللوح المحفوظ صورة كل شيء كائن محدث إلى قيام الساعة على ما جاء في الخبز أنه تعالى قال : اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة ، فخلق الله عبارة عن حكمه ومشيئته ، والتصوير عبارة عن إثبات صور الأشياء في اللوح المحفوظ ، ثم بعد هذين الأمرين أحدث الله تعالى آدم وأمر الملائكة بالسجود له وهذا التأويل عندي أقرب من سائر الوجوه . المسألة الثالثة : ذكرنا في سورة البقرة أن هذه السجدة فيها ثلاثة أقوال : أحدها : أن المراد منها مجرد التعظيم لا نفس السجدة . وثانيها : أن المراد هو السجدة ، إلا أن المسجود له هو الله تعالى ، فآدم كان كالقبلة . وثالثها : أن المسجود له هو آدم ، وأيضاً ذكرنا أن الناس اختلفوا في أن الملائكة الذين أمرهم الله تعالى بالسجود لآدم هل هم ملائكة السماوات والعرش أو المراد ملائكة الأرض ، ففيه خلاف ، وهذه المباحث قد سبق ذكرها في سورة البقرة .