مبالغة منه في تحذير القوم عن قبول دين موسى عليه السلام . وقال آخرون : إنه لم يقع من فرعون ذلك ، بل استجاب الله تعالى لهم الدعاء في قولهم : * ( وتوفنا مسلمين ) * لأنهم سألوه تعالى أن يكون توفيهم من جهته لا بهذا القتل والقطع وهذا الاستدلال قريب .
ثم حكى تعالى عن القوم ما لا يجوز أن يقع من المؤمن عند هذا الوعيد أحسن منه ، وهو قولهم لفرعون : * ( وما تنقم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا ) * فبينوا أن الذي كان منهم لا يوجب الوعيد ولا إنزال النقمة بهم ، بل يقتضي خلاف ذلك ، وهو أن يتأسى بهم في الإقرار بالحق والاحتراز عن الباطل عند ظهور الحجة والدليل . يقال : نقمت أنقم إذا بالغت في كراهية الشيء ، وقد مر عند قوله : * ( قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا ) * ( المائدة : 59 ) قال ابن عباس : يريد ما أتينا بذنب تعذبنا عليه إلا أن آمنا بآيات ربنا . والمراد : ما أتى به موسى عليه السلام من المعجزات القاهرة التي لا يقدر على مثلها إلا الله تعالى .
ثم قالوا : * ( ربنا أفرغ علينا صبراً ) * معنى الإفراغ في اللغة الصب . يقال : درهم مفرغ إذا كان مصبوباً في قالبه وليس بمضروب ، وأصله من إفراغ الإناء وهو صب ما فيه حتى يخلو الإناء وهو من الفراغ ، فاستعمل في الصبر على التشبيه بحال إفراغ الإناء . قال مجاهد : المعنى صب علينا الصبر عند الصلب والقطع ، وفي الآية فوائد :
الفائدة الأولى : * ( أفرغ علينا صبراً ) * أكمل من قوله : أنزل علينا صبراً ، لأنا ذكرنا أن إفراغ الإناء هو صب ما فيه بالكلية ، فكأنهم طلبوا من الله كل الصبر لا بعضه .
والفائدة الثانية : أن قوله * ( صبراً ) * مذكور بصيغة التنكير ، وذلك يدل على الكمال والتمام ، أي صبراً كاملاً تاماً كقوله تعالى : * ( ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ) * ( البقرة : 96 ) أي على حياة كاملة تامة .
والفائدة الثالثة : إن ذلك الصبر من قبلهم ومن أعمالهم ، ثم إنهم طلبوه من الله تعالى ، وذلك يدل على أن فعل العبد لا يحصل إلا بتخليق الله وقضائه . قال القاضي : إنما سألوه تعالى الألطاف التي تدعوهم إلى الثبات والصبر ، وذلك معلوم في الأدعية .
والجواب : هذا عدول عن الظاهر ، ثم الدليل يأباه ، وذلك لأن الفعل لا يحصل إلا عند حصول الداعية الجازمة وحصولها ليس إلا من قبل الله عز وجل ، فيكون الكل من الله تعالى .
وأما قوله : * ( وتوفنا مسلمين ) * فمعناه توفنا على الدين الحق الذي جاء به موسى عليه السلام وفيه مسألتان :
تفسير الرازي — صفحة 209
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٢٠٩