أيكون منك أن تذر موسى وأن يذرك موسى ؟ وثالثها : النصب بإضمار أن تقديره : أتذر موسى وقومه ليفسدوا وأن يذرك وآلهتك ؟ قال صاحب " الكشاف " : وقرئ * ( ويذرك وآلهتك ) * بالرفع عطفاً على * ( أتذر ) * بمعنى أتذره ويذرك ؟ أي انطلق له ، وذلك يكون مستأنفاً أو حالاً على معنى أتذره هو يذرك وآلهتك ؟ وقرأ الحسن * ( ويذرك ) * بالجزم ، وقرأ أنس * ( ونذرك ) * بالنون والنصب ، أي يصرفنا عن عبادتك فنذرها .
وأما قوله : * ( وآلهتك ) * قال أبو بكر الأنباري : كان ابن عمر ينكر قراءة العامة ، ويقرأ إلاهتك أي عبادتك ، ويقول إن فرعون كان يعبد ولا يعبد ، قال ابن عباس : أما قراءة العامة * ( وآلهتك ) * فالمراد جمع إله ، وعلى هذا التقدير : فقد اختلفوا فيه . فقيل إن فرعون كان قد وضع لقومه أصناماً صغاراً ، وأمرهم بعبادتها . وقال : * ( أنا ربكم الأعلى ) * ورب هذه الأصنام ، فذلك قوله : * ( أنا ربكم الأعلى ) * وقال الحسن : كان فرعون يعبد الأصنام . وأقول : الذي يخطر ببالي إن فرعون إن قلنا : إنه ما كان كامل العقل لم يجز في حكمة الله تعالى إرسال الرسول إليه ، وإن كان عاقلاً لم يجز أن يعتقد في نفسه كونه خالقاً للسموات والأرض ، ولم يجز في الجمع العظيم من العقلاء أن يعتقدوا فيه ذلك لأن فساده معلوم بضرورة العقل . بل الأقرب أن يقال إنه كان دهرياً ينكر وجود الصانع ، وكان يقول مدبر هذا العالم السفلي هو الكواكب ، وأما المجدي في هذا العلم للخلق ، ولتلك الطائفة والمربي لهم فهو نفسه ، فقوله : * ( أنا ربكم الأعلى ) * أي مربيكم والمنعم عليكم والمطعم لكم . وقوله : * ( ما علمت بكم من إله غيري ) * ( القصص : 38 ) أي لا أعلم لكم أحداً يجب عليكم عبادته إلا أنا ، وإذا كان مذهبه ذلك لم يبعد أن يقال إنه كان قد اتخذ أصناماً على صور الكواكب ، ويعبدها ويتقرب إليها على ما هو دين عبدة الكواكب وعلى هذا التقدير : فلا امتناع في حمل قوله تعالى : * ( ويذرك وآلهتك ) * على ظاهره ، فهذا ما عندي في هذا الباب . والله أعلم .
واعلم أن على جميع الوجوه والاحتمالات فالقوم أرادوا بذكر هذا الكلام حمل فرعون على أخذ موسى عليه السلام ، وحبسه ، وإنزال أنواع العذاب به ، فعند هذا لم يذكر فرعون ما هو حقيقة الحال وهو كونه خائفاً من موسى عليه السلام . ولكنه قال : * ( سنقتل أبناءهم ونستحيى نساءهم وإنا فوقهم قاهرون ) * وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ نافع وابن كثير * ( سنقتل ) * بفتح النون والتخفيف ، والباقون بضم النون والتشديد على التكثير . يعني أبناء بني إسرائيل ومن آمن بموسى عليه السلام . المسألة الثانية : أن موسى عليه السلام إنما يمكنه الإفساد بواسطة الرهط والشيعة فنحن
تفسير الرازي — صفحة 211
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٢١١