تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 191

مساهمون:

ص١٩١
الكلام قال : * ( إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من الصادقين ) * واعلم أن دليل موسى عليه السلام كان مبنياً على مقدمات : إحداها : أن لهذا العالم إلهاً قادراً عالماً حكيماً . والثانية : أنه أرسله إليهم بدليل أنه أظهر المعجز على وفق دعواه ، ومتى كان الأمر كذلك ، وجب أن يكون رسولاً حقاً . والثالثة : أنه متى كان الأمر كذلك كان كل ما يبلغه من الله إليهم ، فهو حق وصدق . ثم إن فرعون ما نازعه في شيء من هذه المقدمات إلا في طلب المعجزة ، وهذا يوهم أنه كان مساعداً على صحة سائر المقدمات ، وقد ذكرنا في سورة طه أن العلماء اختلفوا في أن فرعون هل كان عارفاً بربه أم لا ؟ ولمجيب أن يجيب ، فيقول : إن ظهور المعجزة يدل أولاً على وجود الإله القادر المختار ، وثانياً : على أن الإله جعله قائماً مقام تصديق ذلك الرسول ، فلعل فرعون كان جاهلاً بوجود الإله القادر المختار ، وطلب منه إظهار تلك البينة حتى أنه إن أظهرها وأتى بها كان ذلك دليلاً على وجود الإله أولاً ، وعلى صحة نبوته ثانياً ، وعلى هذا التقدير : لا يلزم من اقتصار فرعون على طلب البينة ، كونه مقراً بوجود الإله الفاعل المختار . المسألة الثالثة : قرأ نافع * ( حقيق علي ) * مشدد الياء والباقون بسكون الياء والتخفيف . أما قراءة نافع * ( فحقيق ) * يجوز أن يكون بمعنى فاعل . قال الليث : حق الشيء معناه وجب ، ويحق عليك أن تفعل كذا ، وحقيق علي أن أفعله ، بمعنى فاعل . والمعنى : واجب علي ترك القول على الله إلا بالحق ، ويجوز أن يكون بمعنى مفعول ، وضع فعيل في موضع مفعول . تقول العرب : حق علي أن أفعل كذا وإني لمحقوق على أن أفعل خيراً ، أي حق علي ذلك بمعنى استحق . إذا عرفت هذا فنقول : حجة نافع في تشديد الياء أن حق يتعدى بعلي . قال تعالى : * ( فحق علينا قول ربنا ) * وقال : * ( فحق عليها القول ) * فحقيق يجوز أن يكون موصولاً بحرف على من هذا الوجه ، وأيضاً فإن قوله : * ( حقيق ) * بمعنى واجب ، فكما أن وجب يتعدى بعلي ، كذلك حقيق إن أريد به وجب ، يتعدى بعلي . وأما قراءة العامة * ( حقيق علي ) * بسكون الياء . ففيه وجوه : الأول : أن العرب تجعل الباء في موضع " علي " تقول : رميت على القوس وبالقوس ، وجئت على حال حسنة ، وبحال حسنة . قال الأخفش : وهذا كما قال : * ( ولا تقعدوا بكل صراط توعدون ) * ( الأعراف : 86 ) فكما وقعت الباء في قوله : * ( بكل صراط ) * موضع " علي " كذلك وقعت كلمة " علي " موقع الباء في قوله : * ( حقيق علي أن لا أقول ) * يؤكد هذا الوجه قراءة عبد الله * ( حقيق بأن لا أقول ) * وعلى هذه القراءة فالتقدير : أنا حقيق بأن لا أقول ، وعلى قراءة نافع يرتفع بالابتداء ، وخبره * ( أن لا أقول ) * الثاني : أن الحق هو الثابت الدائم ، والحقيق مبالغة فيه ، وكان المعنى : أنا ثابت مستمر على أن لا أقول إلا الحق . الثالث : الحقيق ههنا