تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 187

مساهمون:

ص١٨٧
بمعنى أو لم يهد للذين يخلفون أولئك المتقدمين ويرثون أرضهم وديارهم ، وهذا الشأن وهو أنا لو نشاء أصبناهم بذنوبهم كما أصبنا من قبلهم وأهلكنا الوارثين كما أهلكنا المورثين ، إذا قرىء بالنون فهو منصوب ، كأنه قيل . أولم نهد للوارثين هذا الشأن . بمعنى أو لم نبين لهم أن قريشاً أصبناهم بذنوبهم كما أصبنا من قبلهم ؟ المسألة الثانية : المعنى أو لم نبين للذين نبعثهم في الأرض بعد إهلاكنا من كان قبلهم فيها فنهلكهم بعدهم ؟ وهو معنى لو نشاء أصبناهم بذنوبهم ، أي عقاب ذنوبهم ، وقوله : * ( ونطبع على قلوبهم ) * أي إن لم نهلكهم بالعقاب نطبع على قلوبهم * ( فهم لا يسمعون ) * أي لا يقبلون ، ولا يتعظون ، ولا ينزجرون . وإنما قلنا : إن المراد إما الإهلاك . وإما الطبع على القلب ، لأن الإهلاك لا يجتمع مع الطبع على القلب ، فإنه إذا أهلكه يستحيل أن يطبع على قلبه . المسألة الثالثة : استدل أصحابنا على أنه تعالى قد يمنع العبد عن الإيمان بقوله : * ( ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون ) * والطبع والختم والرين والكنان والغشاوة والصد والمنع واحد على ما قررناه في آيات كثيرة . قال الجبائي : المراد من هذا الطبع أنه تعالى يسم قلوب الكفار بسمات وعلامات تعرف الملائكة بها أن أصحابها لا يؤمنون ، وتلك العلامة غير مانعة من الإيمان . وقال الكعبي : إنما أضاف الطبع إلى نفسه لأجل أن القوم إنما صاروا إلى ذلك الكفر عند أمره وامتحانه فهو كقوله تعالى : * ( فلم يزدهم دعائي إلا فراراً ) * ( نوح : 6 ) . واعلم أن البحث عن حقيقة الطبع والختم قد مر مراراً كثيرة فلا فائدة في الإعادة . المسألة الرابعة : قوله : * ( ونطبع ) * هل هو منقطع عما قبله أو معطوف على ما قبله . فيه قولان : القول الأول : أنه منقطع عن الذي قبله ، لأن قوله : * ( أصبنا ) * ماض وقوله : * ( ونطبع ) * مستقبل وهذا العطف ليس بمستحسن ، بل هو منقطع عما قبله ، والتقدير : ونحن نطبع على قلوبهم . والقول الثاني : أنه معطوف على ما قبله . قال صاحب " الكشاف " : هو معطوف على ما دل عليه معنى * ( أو لم يهد ) * كأنه قيل يغفلون عن الهداية ، ونطبع على قلوبهم أو معطوف على قوله : * ( يرثون الأرض ) * ثم قال : ولا يجوز أن يكون معطوفاً على * ( أصبناهم ) * لأنهم كانوا كفاراً وكل كافر فهو مطبوع على قلبه ، فقوله بعد ذلك : * ( ونطبع على قلوبهم ) * يجري مجرى تحصيل الحاصل . وهو محال ، هذا تقرير قول صاحب " الكشاف " على أقوى الوجوه وهو ضعيف ، لأن كونه مطبوعاً عليه إنما يحصل حال استمراره وثباته عليه ، فهو يكفر أولاً ، ثم يصير مطبوعاً عليه في الكفر ، فلم يكن هذا منافياً لصحة العطف .