تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 185

مساهمون:

ص١٨٥
أَوَ أَمِنَ أَهْلُ لْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللَّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ لْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ ) * . اعلم أنه تعالى لما بين في الآية الأولى إن الذين عصوا وتمردوا أخذهم الله بغتة ، بين في هذه الآية أنهم لو أطاعوا لفتح الله عليهم أبواب الخيرات فقال : * ( ولو أن أهل القرى آمنوا ) * أي آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر * ( واتقوا ) * ما نهى الله عنه وحرمه * ( لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ) * بركات السماء بالمطر ، وبركات الأرض بالنبات والثمار ، وكثرة المواشي والأنعام ، وحصول الأمن والسلامة ، وذلك لأن السماء تجري مجرى الأب ، والأرض تجري مجرى الأم ، ومنها يحصل جميع المنافع والخيرات بخلق الله تعالى وتدبيره . وقوله : * ( ولكن كذبوا ) * يعني الرسل * ( فأخذناهم ) * بالجدوبة والقحط * ( بما كانوا يكسبون ) * من الكفر والمعصية . ثم إنه تعالى أعاد التهديد بعذاب الاستئصال فقال : * ( أفأمن أهل القرى ) * وهو استفهام بمعنى الإنكار عليهم ، والمقصود أنه تعالى خوفهم بنزول ذلك العذاب عليهم في الوقت الذي يكونون فيه في غاية الغفلة ، وهو حال النوم بالليل ، وحال الضحى بالنهار ؛ لأنه الوقت الذي يغلب على المرء التشاغل باللذات فيه . وقوله : * ( وهم يلعبون ) * يحتمل التشاغل بأمور الدنيا ، فهي لعب ولهو ، ويحتمل خوضهم في كفرهم ، لأن ذلك كاللعب في أنه لا يضر ولا ينفع . قرأ أكثر القراء * ( أو أمن ) * بفتح الواو ، وهو حرف العطف دخلت عليه همزة الاستفهام ، كما دخل في قوله : * ( أثم إذا ما وقع ) * ( يونس : 51 ) وقوله : * ( أو كلما عاهدوا ) * ( البقرة : 100 ) وهذه القراءة أشبه بما قبله وبعده ، لأن قبله * ( أفأمن أهل القرى ) * وما بعده * ( أفأمنوا مكر الله ) * ( الأعراف : 99 ) * ( أو لم يهد للذين يرثون الأرض ) * ( الأعراف : 100 ) وقرأ ابن عامر * ( أو أمن ) * ساكنة الواو ، واستعمل على ضربين : أحدهما : أن تكون بمعنى أحد الشيئين ، كقوله : زيد أو عمرو جاء ، والمعنى أحدهما جاء . والضرب الثاني : أن تكون للاضراب عما قبلها ، كقولك : أنا أخرج أو أقيم ، أضربت عن الخروج ، وأثبت الإقامة ، كأنك قلت : لا بل أقيم . فوجه هذه القراءة أنه جعل " أو " للاضراب لا على أنه أبطل الأول ، وهو * ( ألم تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين أم يقولون ) * ( السجدة : 1 ، 2 ) فكان