البحث الأول : في قوله : * ( كأن لم يغنوا فيها ) * قولان : أحدهما : يقال غني القوم في دارهم إذا طال مقامهم فيها . والثاني : المنازل التي كان بها أهلوها واحدها مغني . قال الشاعر :
ولقد غنوا فيها بأنعم عيشة * في ظل ملك ثابت الأوتاد
أراد أقاموا فيها ، وعلى هذا الوجه كان قوله : * ( كأن لم يغنوا فيها ) * كأن لم يقيموا بها ولم ينزلوا فيها .
والقول الثاني : قال الزجاج : كأن لم يغنوا فيها ، كأن لم يعيشوا فيها مستغنين ، يقال غني الرجل يغنى إذا استغنى ، وهو من الغني الذي هو ضد الفقر .
وإذا عرفت هذا فنقول : على التفسيرين شبه الله حال هؤلاء المكذبين بحال من لم يكن قط في تلك الديار . قال الشاعر : كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا * أنيس ولم يسمر بمكة سامر
بلى نحن كنا أهلها فأبادنا * صروف الليالي والجدود العواثر
البحث الثاني : قوله : * ( الذين كذبوا شعيباً ) * كأن لم يغنوا فيها الذين يدل على أن ذلك العذاب كان مختصاً بأولئك المكذبين ، وذلك يدل على أشياء : أحدها : أن ذلك العذاب إنما حدث بتخليق فاعل مختار ، وليس ذلك أثر الكواكب والطبيعة ، وإلا لحصل في أتباع شعيب ، كما حصل في حق الكفار . والثاني : يدل على أن ذلك الفاعل المختار ، عالم بجميع الجزئيات ، حتى يمكنه التمييز بين المطيع والعاصي . وثالثها : يدل على المعجز العظيم في حق شعيب ، لأن العذاب النازل من السماء لما وقع على قوم دون قوم مع كونهم مجتمعين في بلدة واحدة ، كان ذلك من أعظم المعجزات .
ثم قال تعالى : * ( الذين كذبوا شعيباً كانوا هم الخاسرين ) * وإنما كرر قوله : * ( الذين كذبوا شعيباً ) * لتعظيم المذلة لهم وتفظيع ما يستحقون من الجزاء على جهلهم ، والعرب تكرر مثل هذا في التفخيم والتعظيم ، فيقول الرجل لغيره : أخوك الذي ظلمنا ، أخوك الذي أخذ أموالنا ، أخوك الذي هتك أعراضنا ، وأيضاً أن القوم لما قالوا : * ( لئن أتبعتم شعيباً إنكم إذاً لخاسرون ) * بين تعالى أن الذين لم يتبعوه وخالفوه هم الخاسرون .
ثم قال تعالى : * ( فتولى عنهم ) * واختلفوا في أنه تولى بعد نزول العذاب بهم أو قبل ذلك ، وقد سبق ذكر هذه المسألة . قال الكلبي : خرج من بين أظهرهم ، ولم يعذب قوم نبي حتى أخرج من بينهم .
ثم قال : * ( فكيف آسى على قوم كافرين ) * الأسى شدة الحزن . قال العجاج :
تفسير الرازي — صفحة 182
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٨٢