تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 168

مساهمون:

ص١٦٨
اعلم أن هذا هو القصة الرابعة . قال النحويون : إنما صرف لوط ونوح لخفته ، فإنه مركب من ثلاثة أحرف ، وهو ساكن الوسط * ( أتأتون الفاحشة ) * أتفعلون السيئة المتمادية في القبح ؟ وفي قوله : * ( ما سبقكم بها من أحد من العالمين ) * وفيه بحثان : البحث الأول : قال صاحب " الكشاف " : * ( من ) * الأولى زائدة لتوكيد النفي ، وإفادة معنى الاستغراق والثانية للتبعيض . فإن قيل : كيف يجوز أن يقال : * ( ما سبقكم بها من أحد العالمين ) * مع أن الشهوة داعية إلى ذلك العمل أبداً ؟ والجواب : أنا نرى كثيراً من الناس يستقذر ذلك العمل ، فإذا جاز في الكثير منهم استقذاره لم يبعد أيضاً انقضاء كثير من الإعصار بحيث لا يقدم أحد من أهل تلك الإعصاء عليه ، وفيه وجه آخر ، وهو أن يقال : لعلهم بكليتهم أقبلوا على ذلك العمل ، والإقبال بالكلية على ذلك العمل مما لم يوجد في الإعصار السابقة . قال الحسن : كانوا ينكحون الرجال في أدبارهم ، وكانوا لا ينكحون إلا الغرباء . وقال عطاء عن ابن عباس : استحكم ذلك فيهم حتى فعل بعضهم ببعض . البحث الثاني : قوله : * ( ما سبقكم ) * يجوز أن يكون مستأنفاً في التوبيخ لهم ، ويجوز أن يكون صفة الفاحشة ، كقوله تعالى : * ( وآية لهم الليل نسلخ منه النهار ) * ( يس : 37 ) وقال الشاعر : * ( إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَآءِ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ ) * . وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ نافع وحفص عن عاصم * ( إنكم ) * بكسر الألف ومذهب نافع أن يكتفي بالاستفهام بالأولى من الثاني في كل القرآن . وقرأ ابن كثير * ( أئنكم ) * بهمزة غير ممدودة وبين الثانية ، وقرأ أبو عمرو بهمزة ممدودة بالتخفيف ، وبين الثانية . والباقون بهمزتين على الأصل . قال الواحدي : من استفهم كان هذا استفهاماً معناه الإنكار لقوله : * ( أتأتون الفاحشة ) * ( الأعراف : 80 ) وكل واحد من الاستفهامين جملة مستقلة لا تحتاج في تمامها إلى شيء . المسألة الثانية : قوله : * ( شهوة ) * مصدر . قال أبو زيد شهي يشهي شهوة وانتصابها على المصدر ، لأن قوله : * ( أتأتون الرجال ) * معناه أتشتهون شهوة ؟ وإن شئت قلت إنها مصدر وقع موقع الحال .