ومررت بدار البزازين ، وجمع في آية أخرى فقال : * ( في ديارهم ) * ( هود : 94 ) لأنه أراد بالدار ما لكل واحد منهم من منزله الخاص به . وقوله : * ( جاثمين ) * قال أبو عبيدة : الجثوم للناس والطير ، بمنزلة البروك للإبل ، فجثوم الطير هو وقوعه لاطئاً بالأرض في حال سكونه بالليل ، والمعنى : أنهم أصبحوا جاثمين خامدين لا يتحركون موتى ، يقال : الناس جثم . أي قعود لا حراك بهم ولا يحسون بشيء ، ومنه المجثمة التي جاء النهي عنها ، وهي البهيمة التي تربط لترمى ، فثبت أن الجثوم عبارة عن السكون والخمود ، ثم اختلفوا ، فمنهم من قال : لما سمعوا الصيحة العظيمة تقطعت قلوبهم وماتوا جاثمين على الركب ، وقيل بل سقطوا على وجوههم ، وقيل وصلت الصاعقة إليهم فاحترقوا وصاروا كالرماد . وقيل : بل عند نزول العذاب عليهم سقط بعضهم على بعض ، والكل متقارب . وههنا سؤالات :
السؤال الأول : أنه تعالى لما حكى عنهم أنهم قالوا : * ( يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين ) * قال تعالى : * ( فأخذتهم الرجفة ) * والفاء للتعقيب وهذا يدل على أن الرجفة أخذتهم عقيب ما ذكروا ذلك الكلام وليس الأمر كذلك ، لأنه تعالى قال في آية أخرى : * ( فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب ) * ( هود : 65 ) .
والجواب : أن الذي يحصل عقيب الشيء بمدة قليلة قد يقال فيه أنه حصل عقيبه فزال السؤال .
السؤال الثاني : طعن قوم من الملحدين في هذه الآيات بأن ألفاظ القرآن قد اختلفت في حكاية هذه الواقعة ، وهي الرجفة والطاغية والصيحة ، وزعموا أن ذلك يوجب التناقض .
والجواب : قال أبو مسلم : الطاغية . اسم لكل ما تجاوز حده سواء كان حيواناً أو غير حيوان وألحق الهاء به للمبالغة ، فالمسلمون يسمون الملك العاتي بالطاغية والطاغوت . وقال تعالى : * ( إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى ) * ( العلق : 6 ، 7 ) ويقال : طغى طغياناً وهو طاغ وطاغية . وقال تعالى : * ( كذبت ثمود بطغواها ) * ( الشمس : 11 ) وقال في غير الحيوان : * ( إنا لما طغا الماء ) * ( الحاقة : 11 ) أي غلب وتجاوز عن الحد ، وأما الرجفة ، فهي الزلزلة في الأرض ، وهي حركة خارجة عن المعتاد ، فلم يبعد إطلاق اسم الطاغية عليها ، وأما الصيحة ، فالغالب أن الزلزلة لا تنفك عن الصيحة العظيمة الهائلة . وأما الصاعقة ، فالغالب أنها الزلزلة وكذلك الزجرة قال تعالى : * ( فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم بالساهرة ) * ( النازعات : 13 ، 14 ) فبطل ما قاله الطاعن .
السؤال الثالث : أن القوم قد شاهدوا خروج الناقة عن الصخرة وذلك معجزة قاهرة تقرب حال المكلفين عند مشاهدة هذه المعجزة من الإلجاء ، وأيضاً شاهدوا أن الماء الذي كان شرباً لكل أولئك الأقوام في أحد اليومين ، كان شرباً لتلك الناقة الواحدة في اليوم الثاني ، وذلك أيضاً معجزة قاهرة ، ثم إن القوم لما نحروها ، وكان صالح عليه السلام قد توعدهم بالعذاب الشديد إن
تفسير الرازي — صفحة 166
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٦٦