تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 145

مساهمون:

ص١٤٥
الجاه ، ومنهم من يكون بالعكس ، والراغبون في طلب المال منهم من يكون عظيم الرغبة في العقار وتفضل رغبته في النقود ، ومنهم من تعظم رغبته في تحصيل النقود ولا يرغب في الضياع والعقار ، وإذا تأملت في هذا النوع من الاعتبار تيقنت أن أحوال النفوس مختلفة في هذه الأحوال اختلافاً جوهرياً ذاتياً لا يمكن إزالته ولا تبديله ، وإذا كان كذلك امتنع من النفس الغليظة الجاهلة المائلة بالطبع إلى أفعال الفجور أن تصير نفساً مشرقة بالمعارف الإلهية والأخلاق الفاضلة ، ولما ثبت هذا كان تكليف هذه النفس بتلك المعارف اليقينية والأخلاق الفاضلة جارياً مجرى تكليف ما لا يطاق . فثبت بهذا البيان : أن السعيد من سعد في بطن أمه ، والشقي من شقي في بطن أمه ، وأن النفس الطاهرة يخرج نباتها من المعارف اليقينية والأخلاق الفاضلة بإذن ربها ، والنفس الخبيثة لا يخرج نباتها إلا نكداً قليل الفائدة والخير ، كثير الفضول والشر . والوجه الثاني : من الاستدلال بهذه الآية في هذه المسألة قوله تعالى : * ( بإذن ربه ) * وذلك يدل على أن كل ما يعمله المؤمن من خير وطاعة لا يكون إلا بتوفيق الله تعالى . المسألة الثالثة : قرىء * ( يخرج نباته ) * أي يخرجه البلد وينبته . أما قوله تعالى : * ( والذي خبث ) * قال الفراء : يقال : خبث الشيء يخبث خبثاً وخباثة . وقوله : * ( إلا نكداً ) * النكد : العسر الممتنع من إعطاء الخير على جهة البخل . وقال الليث : النكد : الشؤم واللؤم وقلة العطاء ، ورجل أنكد ونكد قال : وأعط ما أعطيته طيبا * لا خير في المنكود والناكد إذا عرفت هذا فنقول : قوله : * ( والذي خبث ) * صفة للبلد ومعناه والبلد الخبيث لا يخرج نباته إلا نكداً ، فحذف المضاف الذي هو النبات ، وأقيم المضاف إليه الذي هو الراجح إلى ذلك البلد مقامه ، إلا أنه كان مجروراً بارزاً فانقلب مرفوعاً مستكناً لوقوعه موقع الفاعل ، أو يقدر ونبات الذي خبث ، وقرئ * ( نكداً ) * بفتح الكاف على المصدر أي ذا نكد . ثم قال تعالى : * ( كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرون ) * قرىء * ( يصرف ) * أي يصرفها الله ، وإنما ختم هذه الآية بقوله : * ( لقوم يشكرون ) * لأن الذي سبق ذكره هو أنه تعالى يحرك الرياح اللطيفة النافعة ويجعلها سبباً لنزول المطر الذي هو الرحمة ويجعل تلك الرياح والأمطار سبباً لحدوث أنواع النبات النافعة اللطيفة اللذيذة ، فهذا من أحد الوجهين ذكر الدليل الدال على وجود الصانع وعلمه وقدرته وحكمته ، ومن الوجه الثاني تنبيه على إيصال هذه النعمة العظيمة إلى العباد ، فلا جرم كانت من حيث إنها دلائل على وجود الصانع وصفاته آيات ومن حيث أنها نعم يجب شكرها ،