ثم قال تعالى : * ( والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكداً ) * .
وفيه مسائل :
المسألة الأولى : في هذه الآية قولان :
القول الأول : وهو المشهور أن هذا مثل ضربه الله تعالى للمؤمن والكافر بالأرض الخيرة والأرض السبخة ، وشبه نزول القرآن بنزول المطر ، فشبه المؤمن بالأرض الخيرة التي نزل عليها المطر فيحصل فيها أنواع الأزهار والثمار ، وأما الأرض السبخة فهي وإن نزل المطر عليها لم يحصل فيها من النبات إلا النزر القليل ، فكذلك الروح الطاهرة النقية عن شوائب الجهل والأخلاق الذميمة إذا اتصل به نور القرآن ظهرت فيه أنواع من الطاعات والمعارف والأخلاق الحميدة ، والروح الخبيثة الكدرة وإن اتصل به نور القرآن لم يظهر فيه من المعارف والأخلاق الحميدة إلا القليل .
والقول الثاني : أنه ليس المراد من الآية تمثيل المؤمن والكافر ، وإنما المراد أن الأرض السبخة يقل نفعها وثمرتها ، ومع ذلك فإن صاحبها لا يهمل أمرها بل يتعب نفسه في إصلاحها طمعاً منه في تحصيل ما يليق بها من المنفعة . فمن طلب هذا النفع اليسير بالمشقة العظيمة ، فلأن يطلب النفع العظيم الموعود به في الدار الآخرة بالمشقة التي لا بد من تحملها في أداء الطاعات ، كان ذلك أولى .
المسألة الثانية : هذه الآية دالة على أن السعيد لا ينقلب شقياً وبالعكس ، وذلك لأنها دلت على أن الأرواح قسمان : منها ما تكون في أصل جوهرها طاهرة نقية مستعدة لأن تعرف الحق لذاته والخير لأجل العمل به ، ومنها ما تكون في أصل جوهرها غليظة كدرة بطيئة القبول للمعارف الحقيقية ، والأخلاق الفاضلة ، كما أن الأراضي منها ما تكون سبخة فاسدة ، وكما أنه لا يمكن أن يتولد في الأراضي السبخة تلك الأزهار والثمار التي تتولد في الأرض الخيرة ، فكذلك لا يمكن أن يظهر في النفس البليدة والكدرة الغليظة من المعارف اليقينية والأخلاق الفاضلة مثل ما يظهر في النفس الطاهرة الصافية ، ومما يقوي هذا الكلام أنا نرى النفوس مختلفة في هذه الصفات فبعضها مجبولة على حب عالم الصفاء والإلهيات منصرفة عن اللذات الجسمانية كما قال تعالى : * ( وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق ) * ( المائدة : 83 ) ومنها قاسية شديدة القسوة والنفرة عن قبول هذه المعاني كما قال : * ( فهي كالحجارة أو أشد قسوة ) * ( البقرة : 74 ) ومنها ما تكون شديدة الميل إلى قضاء الشهوة متباعدة عن أحوال الغضب ، ومنها ما تكون شديدة الميل إلى إمضاء الغضب ، وتكون متباعدة عن أعمال الشهوة بل نقول : من النفوس ما تكون عظيمة الرغبة في المال دون
تفسير الرازي — صفحة 144
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٤٤