تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 114

مساهمون:

ص١١٤
إن كنتم موقنين ) * ( الدخان : 7 ) وفي الثانية قال : * ( ربكم ورب آبائكم الأولين ) * ( الشعراء : 26 ) وفي المرة الثالثة : * ( قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون ) * ( الشعراء : 28 ) وكل ذلك إشارة إلى الخلاقية ، وأما فرعون لعنه الله فإنه قال : * ( يا هامان ابن لي صرحاً لعلي أبلغ الأسباب * أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى ) * ( غافر : 36 ، 37 ) فطلب الإله في السماء ، فعلمنا أن وصف الإله بالخلاقية ، وعدم وصفه بالمكان والجهة دين موسى ، وسائر جميع الأنبياء ، وجميع وصفه تعالى بكونه في السماء دين فرعون وإخوانه من الكفرة . وخامسها : أنه تعالى قال في هذه الآية : * ( إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش ) * وكلمة " ثم " للتراخي وهذا يدل على أنه تعالى إنما استوى على العرش بعد تخليق السماوات والأرض ، فإن كان المراد من الاستواء الاستقرار ، لزم أن يقال : إنه ما كان مستقراً على العرش ، بل كان معوجاً مضطرباً ، ثم استوى عليه بعد ذلك ، وذلك يوجب وصفه بصفات سائر الأجسام من الاضطراب والحركة تارة ، والسكون أخرى ، وذلك لا يقوله عاقل . وسادسها : هو أنه تعالى حكى عن إبراهيم عليه السلام أنه إنما طعن في إلهية الكوكب والقمر والشمس بكونها آفلة غاربة فلو كان إله العالم جسماً ، لكان أبداً غارباً آفلاً . وكان منتقلاً من الاضطراب والاعوجاج إلى الاستواء والسكون والاستقرار ، فكل ما جعله إبراهيم عليه السلام طعناً في إلهية الشمس والكوكب والقمر يكون حاصلاً في إله العالم ، فكيف يمكن الاعتراف بإلهيته . وسابعها : أنه تعالى ذكر قبل قوله : * ( ثم استوى على العرش ) * شيئاً وبعده شيئاً آخر . أما الذي ذكره قبل هذه الكلمة فهو قوله : * ( إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض ) * وقد بينا أن خلق السماوات والأرض يدل على وجود الصانع وقدرته وحكمته من وجوه كثيرة . وأما الذي ذكره بعد هذه الكلمة فأشياء : أولها : قوله : * ( يغشى الليل النهار يطلبه حثيثاً ) * وذلك أحد الدلائل الدالة على وجود الله ، وعلى قدرته وحكمته . وثانيها : قوله : * ( والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ) * وهو أيضاً من الدلائل الدالة على الوجود والقدرة والعلم . وثالثها : قوله : * ( ألا له الخلق والأمر ) * وهو أيضاً إشارة إلى كمال قدرته وحكمته . إذا ثبت هذا فنقول : أول الآية إشارة إلى ذكر ما يدل على الوجود والقدرة والعلم ، وآخرها يدل أيضاً على هذا المطلوب ، وإذ كان الأمر كذلك فقوله : * ( ثم استوى على العرش ) * وجب أن يكون أيضاً دليلاً على كمال القدرة والعلم ، لأنه لو لم يدل عليه بل كان المراد كونه مستقراً على العرش كان ذلك كلاماً أجنبياً عما قبله وعما بعده ، فإن كونه تعالى مستقراً على العرش لا يمكن جعله دليلاً على كماله في القدرة والحكمة وليس أيضاً من صفات المدح والثناء ، لأنه تعالى قادر على أن يجلس
تفسير الرازي — صفحة 114 | فخر الدين الرازي