تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 113

مساهمون:

ص١١٣
والعقلاء اتفقوا على أن العلم بفساد ذلك من أجل العلوم لضرورية ، وأيضاً فإن جوزتم ذلك فلم لا تجوزون أن يقال : إن جميع العالم من العرش إلى ما تحت الثرى جوهر واحد وموجود واحد إلا أن ذلك الجزء الذي لا يتجزأ حصل في جملة هذه الأحياز ، فيظن أنها أشياء كثيرة ، ومعلوم أن من جوزه ، فقد التزم منكراً من القول عظيماً . فإن قالوا : إنما عرفنا ههنا حصول التغاير بين هذه الذوات لأن بعضها يفنى مع بقاء الباقي . وذلك يوجب التغاير ، وأيضاً فنرى بعضها متحركاً ، وبعضها ساكناً والمتحرك غير الساكن ، فوجب القول بالتغاير ، وهذه المعاني غير حاصلة في ذات الله ، فظهر الفرق ، فنقول : أما قولك بأنا نشاهد أن هذا الجزء يبقى مع أنه يفنى ذلك الجزء الآخر ، وذلك يوجب التغاير . فنقول : لا نسلم أنه فني شيء من الأجزاء بل نقول لم لا يجوز أن يقال أن جميع أجزاء العالم جزء واحد فقط ؟ ثم إنه حصل ههنا وهناك ، وأيضاً حصل موصوفاً بالسواد والبياض وجميع الألوان والطعوم ، فالذي يفنى إنما هو حصوله هناك ، فأما أن يقال إنه فني في نفسه ، فهذا غير مسلم ، وأما قوله : نرى بعض الأجسام متحركاً وبعضها ساكناً ، وذلك يوجب التغاير ، لأن الحركة والسكون لا يجتمعان . فنقول : إذا حكمنا بأن الحركة والسكون لا يجتمعان لاعتقادنا أن الجسم الواحد لا يحصل دفعة واحدة في حيزين ، فإذا رأينا أن الساكن بقي هنا ، وأن المتحرك ليس هنا قضينا أن المتحرك غير الساكن . وأما بتقدير أن يجوز كون الذات الواحدة حاصلة في حيزين دفعة واحدة ، ل يمتنع كون الذات الواحدة متحركة ساكنة معاً ، لأن أقصى ما في الباب أن بسبب السكون بقي هنا ، وبسبب الحركة حصل في الحيز الآخر ، إلا أنا لما جوزنا أن تحصل الذات الواحدة دفعة واحدة في حيزين معاً لم يبعد أن تكون الذات الساكنة هي عين الذات المتحركة ، فثبت أنه لو جاز أن يقال إنه تعالى في ذاته واحد لا يقبل القسمة ، ثم مع ذلك يمتلئ العرش منه ، لم يبعد أيضاً أن يقال : العرش في نفسه جوهر فرد وجزء لا يتجزأ ، ومع ذلك فقد حصل في كل تلك الأحياز ، وحصل منه كل العرش ومعلوم أن تجويزه يفضي إلى فتح باب الجهالات . وثانيها : أنه تعالى قال : * ( ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية ) * ( الحاقة : 17 ) فلو كان إله العالم في العرش ، لكان حامل العرش حاملاً للإله ، فوجب أن يكون الإله محمولاً حاملاً ، ومحفوظاً حافظاً ، وذلك لا يقوله عاقل . وثالثها : أنه تعالى قال : * ( والله الغني ) * ( محمد : 38 ) حكم بكونه غنياً على الإطلاق ، وذلك يوجب كونه تعالى غنياً عن المكان والجهة . ورابعها : أن فرعون لما طلب حقيقة الإله تعالى من موسى عليه السلام ولم يزد موسى عليه السلام على ذكر صفة الخلاقية ثلاث مرات ، فإنه لما قال : * ( وما رب العالمين ) * ( الشعراء : 23 ) ففي المرة الأولى قال : * ( رب السماوات والأرض وما بينهما