تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 111

مساهمون:

ص١١١
حاصرين ومحدود بين حدين وطرفين أحدهما : الأزل ، والثاني : أول وجود العالم ولم يلزم من كون هذا التقدم محصوراً بين حاصرين أن يكون لهذا التقدم أول وبداية ، فكذا ههنا ، وهذا هو الذي عول عليه محمد بن الهيثم في دفع هذا الإشكال عن هذا القسم . والجواب : أن هذا هو محض المغالطة ، لأنه ليس الأزل عبارة عن وقت معين وزمان معين حتى يقال إنه تعالى متقدم على العالم من ذلك الوقت إلى الوقت الذي هو أول العالم ، فإن كل وقت معين يفرض من ذلك الوقت إلى الوقت الآخر يكون محدوداً بين حدين ومحصوراً بين حاصرين ، وذلك لا يعقل فيه أن يكون غير متناه . بل الأزل عبارة عن نفي الأولية من غير أن يشار به إلى وقت معين البتة . إذا عرفت هذا فنقول : إما أن نقول أنه تعالى مختص بجهة معينة ، وحاصل في حيز معين وإما أن لا نقول ذلك ، فإن قلنا بالأول كان البعد الحاصل بين ذينك الطرفين محدوداً بين ذينك الحدين والبعد المحصور بين الحاصرين لا يعقل كونه غير متناه ، لأن كونه غير متناه عبارة عن عدم الحد والقطع والطرف ، وكونه محصوراً بين الحاصرين معناه إثبات الحد والقطع والطرف والجمع بينهما يوجب الجمع بين النقيضين ، وهو محال . ونظيره ما ذكرناه أنا متى عينا قبل العالم وقتاً معيناً كان البعد بينه وبين الوقت الذي حصل فيه أول العالم بعداً متناهياً لا محالة . وأما إن قلنا بالقسم الثاني : وهو أنه تعالى غير مختص بحيز معين وغير حاصل في جهة معينة ، فهذا عبارة عن نفي كونه في الجهة . لأن كون الذات المعينة حاصلة لا في جهة معينة في نفسها قول محال ، ونظير هذا قول من يقول الأزل ليس عبارة عن وقت معين بل إشارة إلى نفي الأولية والحدوث ، فظهر أن هذا الذي قاله ابن الهيثم تخييل خال عن التحصيل . الحجة الخامسة عشرة : إنه ثبت في العلوم العقلية أن المكان : إما السطح الباطن من الجسم الحاوي . وإما البعد المجرد والفضاء الممتد ، وليس يعقل في المكان قسم ثالث . إذا عرفت هذا فنقول : إن كان المكان هو الأول . فنقول : ثبت أن أجسام العالم متناهية ، فخارج العالم الجسماني لا خلاء ولا ملاء ولا مكان ولا جهة ، فيمتنع أن يحصل الإله في مكان خارج العالم ، وإن كان المكان هو الثاني ، فنقول طبيعة البعد طبيعة واحدة متشابهة في تمام الماهية ، فلو حصل الإله في حيز لكان ممكن الحصول في سائر الأحياز ، وحينئذ يصح عليه الحركة والسكون وكل ما كان كذلك كان محدثاً بالدلائل المشهورة المذكورة في علم الأصول ، وهي مقبولة عند جمهور المتكلمين ، فيلزم كون الإله محدثاً ، وهو محال . فثبت أن القول بأنه تعالى حاصل في الحيز والجهة