تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 47

مساهمون:

ص٤٧
وأما قوله تعالى : * ( وما أنزل إليهم ) * ففيه قولان : الأول : أنه القرآن ، والثاني : أنه كتب سائر الأنبياء : مثل كتاب شعياء ومثل كتاب حيقوق ، وكتاب دانيال ، فإن هذه الكتب مملوءة من البشارة بمبعث محمد عليه الصلاة والسلام . وأما قوله تعالى : * ( لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم ) * فاعلم أن اليهود لما أصروا على تكذيب محمد عليه الصلاة والسلام أصابهم القحط والشدة ، وبلغوا إلى حيث قالوا : * ( يد الله مغلولة ) * فالله تعالى بيّن أنهم لو تركوا ذلك الكفر لانقلب الأمر وحصل الخصب والسعة ، وفي قوله * ( لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم ) * وجوه : الأول : أن المراد منه المبالغة في شرح السعة والخصب ، لا أن هناك فوقا وتحتا ، والمعنى لأكلوا أكلاً متصلاً كثيراً ، وهو كما تقول : فلان في الخير من فرقه إلى قدمه ، تريد تكاثف الخير وكثرته عنده . الثاني : أن الأكل من فوق نزول القطر ، ومن تحت الأرجل حصول النبات ، كما قال تعالى في سورة الأعراف * ( ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ) * ( الأعراف : 96 ) الثالث : الأكل من فوق كثرة الأشجار المثمرة ، ومن تحت الأرجل الزروع المغلة ، والرابع : المراد أن يرزقهم الجنان اليانعة الثمار ، فيجتنون ما تهدل من رؤوس الشجر ، ويلتقطون ما تساقط على الأرض من تحت أرجلهم ، والخامس : يشبه أن يكون هذا إشارة إلى ما جرى على اليهود من بني قريظة وبني النضير من قطع نخيلهم وإفساد زروعهم وإجلائهم عن أوطانهم . ثم قال تعالى : * ( منهم أمة مقتصدة ) * معنى الاقتصاد في اللغة الاعتدال في العمل من غير غلو ولا تقصير ، وأصله القصد ، وذلك لأن من عرف مطلوبه فإنه يكون قاصداً له على الطريق المستقيم من غير انحراف ولا اضطراب ، أما من لم يعرف موضع مقصوده فإنه يكون متحيراً ، تارة يذهب يميناً وأخرى يساراً ، فلهذا السبب جعل الاقتصاد عبارة عن العمل المؤدي إلى الغرض ، ثم في هذه الأمة المقتصدة قولان : أحدهما : أن المراد منها الذين آمنوا من أهل الكتاب : كعبد الله بن سلام من اليهود ، والنجاشي من النصارى ، فهم على القصد من دينهم ، وعلى المنهج المستقيم منه ، ولم يميلوا إلى طرفي الافراط والتفريط . والثاني : المراد منها الكفار من أهل الكتاب الذين يكونون عدولاً في دينهم ، ولا يكون فيهم عناد شديد ولا غلظة كاملة ، كما قال * ( ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ) * ( آل عمران : 75 ) . ثم قال تعالى : * ( وكثير منهم ساء ما يعملون ) * وفيه معنى التعجب كأنه قيل : وكثير منهم ما أسوأ عملهم ، والمراد : منهم الأجلاف المذمومون المبغضون الذين لا يؤثر فيهم الدليل ولا