الدفع ، أو نعمة الشدة ونعمة الرخاء . الثاني : أن المراد بالنسبة المبالغة في وصف النعمة ، ألا ترى أن قولهم ( لبيك ) معناه إقامة على طاعتك بعد إقامة ، وكذلك ( سعديك ) معناه مساعدة بعد مساعدة ، وليس المراد منه طاعتين ولا مساعدتين . فكذلك الآية : المعنى فيها أن النعمة متظاهرة متتابعة ليست كما ادعى من أنها مقبوضة ممتنعة . ثم قال تعالى : * ( ينفق كيف يشاء ) * أي يرزق ويخلق كيف يشاء ، إن شاء قتر ، وإن شاء وسع . وقال * ( ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء ) * ( الشورى : 27 ) وقال * ( يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ) * ( الرعد : 26 ) وقال ) * قل الّلهم مالك الملك ) * إلى قوله * ( وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير ) * ( آل عمران : 26 ) . واعلم أن هذه الآية رد على المعتزلة ، وذلك لأنهم قالوا : يجب على الله تعالى إعطاء الثواب للمطيع ، ويجب عليه أن لا يعاقبه ، ويجب عليه أن لا يدخل العاصي الجنة ، ويجب عليه عند بعضهم أن يعاقبه ، فهذا المنع والحجر والقيد يجري مجرى الغل ، فهم في الحقيقة قائلون بأن يد الله مغلولة وأما أهل السنة فهم القائلون بأن الملك ملكه ، وليس لأحد عليه استحقاق ، ولا لأحد عليه اعتراض كما قال * ( قل فمن يملك من الله شيئاً إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعاً ) * ( المائدة : 17 ) فقوله سبحانه : ) * بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء ) * لا يستقيم إلا على المذهب والمقالة ، والحمد لله على الدين القويم والصراط المستقيم . ثم قال تعالى : * ( وليزيدن كثيراً منهم ما أنزل إليك من ربك طغياناً وكفراً ) * وفيه مسألتان : المسألة الأولى : المراد بالكثير علماء اليهود ، يعني ازدادوا عند نزول ما أنزل إليك من ربك من القرآن والحجج شدة في الكفر وغلواً في الانكار ، كما يقال : ما زادتك موعظتي إلا شراً . وقيل : إقامتهم على الكفر زيادة منهم في الكفر . المسألة الثانية : قال أصحابنا : دلّت الآية على أنه تعالى لا يراعي مصالح الدين والدنيا لأنه تعالى لما علم أنهم يزدادون عند إنزال تلك الآيات كفراً وضلالاً ، فلو كانت أفعاله معللة برعاية المصالح للعباد لامتنع عليه إنزال تلك الآيات ، فلما أنزلها علمنا أنه تعالى لا يراعي مصالح العباد ، ونظيره قوله * ( فزادتهم رجساً إلى رجسهم ) * ( التوبة : 125 ) . فإن قالوا : علم الله تعالى من حالهم أنهم سواء أنزلها أو لم ينزلها فإنهم يأتون بتلك الزيادة من الكفر ، فلهذا حسن منه تعالى إنزالها .
قلنا : فعلى هذا التقدير لم يكن ذلك الازدياد لأجل إنزال تلك الآيات ، وهذا يقتضي أن
تفسير الرازي — صفحة 44
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٤٤