تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 48

مساهمون:

ص٤٨
ينجع فيهم القول . قوله تعالى : * ( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ) * أمر الرسول بأن لا ينظر إلى قلة المقتصدين وكثرة الفاسقين ولا يخشى مكروههم فقال * ( بلغ ) * أي واصبر على تبليغ ما أنزلته إليك من كشف أسرارهم وفضائح أفعالهم ، فإن الله يعصمك من كيدهم ويصونك من مكرهم . وروى الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله بعثني برسالته فضقت بها ذرعاً وعرفت أن الناس يكذبوني واليهود والنصارى وقريش يخوفوني ، فلما أنزل الله هذه الآية زال الخوف بالكلية " وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أيام إقامته بمكة يجاهر ببعض القرآن ويخفي بعضه إشفاقاً على نفسه من تسرع المشركين إليه وإلى أصحابه ، فلما أعز الله الإسلام وأيده بالمؤمنين قال له : * ( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ) * أي لا تراقبن أحداً ، ولا تترك شيئاً مما أنزل إليك خوفاً من أن ينالك مكروه . ثم قال تعالى : * ( وإن لم تفعل فما بلغت رسالته ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ نافع * ( رسالاته ) * في هذه الآية وفي الأنعام * ( حيث يجعل رسالاته ) * ( الأنعام : 124 ) على الجمع ، وفي الأعراف * ( برسالاتي ) * ( الأعراف : 144 ) على الواحد ، وقرأ حفص عن عاصم على الضد ، ففي المائدة والأنعام على الواحد ، وفي الأعراف على الجمع ، وقرأ ابن كثير في الجميع على الواحد ، وقرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم كله على الجمع . حجة من جمع أن الرسل يبعثون بضروب من الرسالات وأحكام مختلفة في الشريعة ، وكل آية أنزلها الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم فهي رسالة ، فحسن لفظ الجمع ، وأما من أفرد فقال : القرآن كله رسالة واحدة ، وأيضاً فإن لفظ الواحد قد يدل على الكثرة وإن لم يجمع كقوله * ( وادعوا ثبوراً كثيراً ) * ( الفرقان : 14 ) فوقع الاسم الواحد على الجمع ، وكذا ههنا لفظ الرسالة وإن كان واحداً إلا أن المراد هو الجمع . المسألة الثانية : لقائل أن يقول : إن قوله * ( وإن لم تفعل فما بلغت رسالته ) * معناه فإن لم تبلغ رسالته فما بلغت رسالته ، فأي فائدة في هذا الكلام ؟ أجاب جمهور المفسرين بأن المراد : أنك إن لم تلغ واحداً منها كنت كمن لم يبلغ شيئاً منها ،