تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 41

مساهمون:

ص٤١
سبيل السخرية والاستهزاء : إن إله محمد فقير مغلول اليد ، فلما قالوا ذلك حكى الله عنهم هذا الكلام الثالث : قال المفسرون : اليهود كانوا أكثر الناس مالاً وثروة ، فلما بعث الله محمداً وكذبوا به ضيق الله عليهم المعيشة فعند ذلك قالت اليهود : يد الله مغلولة ، أي مقبوضة عن العطاء على جهة الصفة بالبخل ، والجاهل إذا وقع في البلاء والشدة والمحنة يقول مثل هذه الألفاظ . الرابع : لعلّه كان فيهم من كان على مذهب الفلسفة ، وهو أنه تعالى موجب لذاته ، وأن حدوث الحوادث عنه لا يمكن إلا على نهج واحد وسنن واحد ، وأنه تعالى غير قادر على إحداث الحوادث على غير الوجوه التي عليها تقع ، فعبروا عن عدم الاقتدار على التغيير والتبديل بغل اليد . الخامس : قال بعضهم : المراد هو قول اليهود : إن الله لا يعذبنا إلا بقدر الأيام التي عبدنا العجل فيها ، إلا أنهم عبروا عن كونه تعالى غير معذب لهم إلا في هذا القدر من الزمان بهذه العبارة الفاسدة ، واستوجبوا اللعن بسبب فساد العبارة وعدم رعاية الأدب ، وهذا قول الحسن فثبت أن هذه الحكاية صحيحة على كل هذه الوجوه والله أعلم . المسألة الثانية : غل اليد وبسطها مجاز مشهور عن البخل والجود ، ومنه قوله تعالى : * ( ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط ) * ( الإسراء : 29 ) قالوا : والسبب فيه أن اليد آلة لأكثر الأعمال لا سيما لدفع المال ولإنفاقه ، فأطلقوا اسم السبب على المسبب ، وأسندوا الجود والبخل إلى اليد والبنان والكف والأنامل . فقيل للجواد : فياض الكف مبسوط اليد ، وبسط البنان تره الأنامل . ويقال للبخيل : كز الأصابع مقبوض الكف جعد الأنامل . فإن قيل : فلما كان قوله * ( يد الله مغلولة ) * المراد منه البخل وجب أن يكون قوله * ( غلت أيديهم ) * المراد منه أيضاً البخل لتصح المطابقة ، والبخل من الصفات المذمومة التي نهى الله تعالى عنها ، فكيف يجوز أن يدعو عليهم بذلك ؟ قلنا : قوله * ( يد الله مغلولة ) * عبارة عن عدم المكنة من البذل والإعطاء ، ثم إن عدم المكنة من الاعطاء تارة يكون لأجل البخل وتارة يكون لأجل الفقر ، وتارة يكون لأجل العجز ، فكذلك قوله * ( غلت أيديهم ) * دعاء عليهم بعدم القدرة والمكنة ؛ سواء حصل ذلك بسبب العجز أو الفقر أو البخل ، وعلى هذا التقدير فإنه يزول الاشكال . المسألة الثالثة : قوله * ( غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا ) * فيه وجهان : الأول : أنه دعاء عليهم ، والمعنى أنه تعالى يعلمنا أن ندعو عليهم بهذا الدعاء كما علمنا الاستثناء في قوله * ( لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين ) * ( الفتح : 27 ) وكما علمنا الدعاء على المنافقين في قوله * ( فزادهم الله مرضاً ) * ( البقرة : 10 ) وعلى أبي لهب في قوله * ( تبت يدا أبي لهب ) * ( المسد : 1 ) الثاني : أنه إخبار . قال الحسن : غلت أيديهم في نار جهنم على الحقيقة ، أي شدت إلى