تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 42

مساهمون:

ص٤٢
أعناقهم جزاءً لهم على هذا القول . فإن قيل : فإذا كان هذا الغل إنما حكم به جزاءً لهم على هذا القول ، فكان ينبغي أن يقال : فغلت أيديهم . قلنا : حذف العطف وإن كان مضمراً إلا أنه حذف لفائدة ، وهي أنه لما حذف كان قوله * ( غلت أيديهم ) * كالكلام المبتدأ به ، وكون الكلام مبتدأ به يزيده قوة ووثاقة ؛ لأن الابتداء بالشيء يدل على شدة الاهتمام به وقوة الاعتناء بتقريره ، ونظير هذا الموضع في حذف فاء التعقيب قوله تعالى : * ( وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزواً ) * ( البقرة : 67 ) ولم يقل : فقالوا أتتخذنا هزواً . وأما قوله * ( ولعنوا بما قالوا ) * قال الحسن عذبوا في الدنيا بالجزية وفي الآخرة بالنار . ثم قال تعالى : * ( بل يداه مبسوطتان ) * . واعلم أن الكلام في هذه الآية من المهمات ، فإن الآيات الكثيرة من القرآن ناطقة بإثبات اليد ، فتارة المذكور هو اليد من غير بيان العدد . قال تعالى : * ( يد الله فوق أيديهم ) * ( الفتح : 10 ) وتارة بإثبات اليدين لله تعالى : منها هذه الآية ، ومنها قوله تعالى لإبليس الملعون * ( ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي ) * ( ص : 75 ) وتارة بإثبات الأيدي . قال تعالى : * ( أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاماً ) * ( يس : 71 ) . إذا عرفت هذا فنقول اختلفت الأمة في تفسير يد الله تعالى ، فقالت المجسمة : إنها عضو جسماني كما في حق كل أحد ، واحتجوا عليه بقوله تعالى : * ( ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها ) * ( الأعراف : 195 ) وجه الاستدلال أنه تعالى قدح في إلهية الأصنام لأجل أنها ليس لها شيء من هذه الأعضاء ، فلو لم تحصل لله هذه الأعضاء لزم القدح في كونه إلهاً ، ولما بطل ذلك وجب إثبات هذه الأعضاء له قالوا وأيضاً اسم اليد موضوع لهذا العضو ، فحمله على شيء آخر ترك للغة ، وإنه لا يجوز . واعلم أن الكلام في إبطال هذا القول مبني على أنه تعالى ليس بجسم ، والدليل عليه أن الجسم لا ينفك عن الحركة والسكون ، وهما محدثان ، وما لا ينفك عن المحدث فهو محدث ، ولأن كل جسم فهو متناه في المقدار ، وكل ما كان متناهياً في المقدار فهو محدث ، ولأن كل جسم فهو مؤلف من الأجزاء ، وكل ما كان كذلك كان قابلاً للتركيب والانحلال ، وكل ما كان كذلك افتقر إلى ما يركّبه ويؤلفه ، وكل ما كان كذلك فهو محدث ، فثبت بهذه الوجوه أنه يمتنع كونه تعالى جسماً ، فيمتنع أن تكون يده عضواً جسمانياً . وأما جمهور الموحدين فلهم في لفظ اليد قولان : الأول : قول من يقول : القرآن لما دلّ