تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 28

مساهمون:

ص٢٨
الولاية المأمور بها ههنا هي المنهي عنها فيما قبل ، ولما كانت الولاية المنهي عنها فيما قبل هي الولاية بمعنى النصرة كانت الولاية المأمور بها هي الولاية بمعنى النصرة ، وأما ما بعد هذه الآية فهي قوله * ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزواً ولعباً من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا الله أن كنتم مؤمنين ) * ( المائدة : 57 ) فأعاد النهي عن اتخاذ اليهود والنصارى والكفار أولياء ، ولا شك أن الولاية المنهي عنها هي الولاية بمعنى النصرة ، فكذلك الولاية في قوله * ( إنما وليكم الله ) * يجب أن تكون هي بمعنى النصرة ، وكل من أنصف وترك التعصب وتأمل في مقدمة الآية وفي مؤخرها قطع بأن الولي في قوله * ( إنما وليكم الله ) * ليس إلا بمعنى الناصر والمحب ، ولا يمكن أن يكون بمعنى الإمام ، لأن ذلك يكون إلقاء كلام أجنبي فيما بين كلامين مسوقين لغرض واحد ، وذلك يكون في غاية الركاكة والسقوط ، ويجب تنزيه كلام الله تعالى عنه . الحجة الثانية : أنا لو حملنا الولاية على التصرف والإمامة لما كان المؤمنون المذكورين في الآية موصوفين بالولاية حال نزول الآية ، لأن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ما كان نافذ التصرف حال حياة الرسول ، والآية تقتضي كون هؤلاء المؤمنون موصوفين بالولاية في الحال ، أما لو حملنا الولاية على المحبة والنصرة كانت الولاية حاصلة في الحال ، فثبت أن حمل الولاية على المحبة أولى من حملها على التصرف ، والذي يؤكد ما قلناه أنه تعالى منع المؤمنين من اتخاذ اليهود والنصارى أولياء ، ثم أمرهم بموالاة هؤلاء المؤمنين ، فلا بدّ وأن تكون موالاة هؤلاء المؤمنين حاصلة في الحال حتى يكون النفي والإثبات متواردين على شيء واحد ، ولما كانت الولاية بمعنى التصرف غير حاصلة في الحال امتنع حمل الآية عليها . الحجة الثالثة : أنه تعالى ذكر المؤمنين الموصوفين في هذه الآية بصيغة الجمع في سبعة مواضع وهي قوله * ( والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ) * وحمل ألفاظ الجمع وإن جاز على الواحد على سبيل التعظم لكنه مجاز لا حقيقة ، والأصل حمل الكلام على الحقيقة . الحجة الرابعة : أنا قد بينا بالبرهان البين أن الآية المتقدمة وهي قوله * ( يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه ) * ( المائدة : 54 ) إلى آخر الآية من أقوى الدلائل على صحة إمامة أبي بكر ، فلو دلّت هذه الآية على صحة إمامة علي بعد الرسول لزم التناقض بين الآيتين ، وذلك باطل ، فوجب القطع بأن هذه الآية لا دلالة فيها على أن علياً هو الإمام بعد الرسول . الحجة الخامسة : أن علي بن أبي طالب كان أعرف بتفسير القرآن من هؤلاء الروافض ، فلو كانت هذه الآية دالة على إمامته لاحتج بها في محفل من المحافل ، وليس للقوم أن يقولوا : إنه
تفسير الرازي — صفحة 28 | فخر الدين الرازي