تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 198

مساهمون:

ص١٩٨
فيه لأحد إلا لله تعالى ، ولا قدرة لأحد على النفع والضر والرفع والخفض إلا لله . وقوله * ( حتى إذا جاءتهم السعة بغتة ) * اعلم أن كلمة ( حتى ) غاية لقوله * ( كذبوا ) * لا لقوله * ( قد خسر ) * لأن خسرانهم لا غاية له ومعنى ( حتى ) ههنا أن منتهى تكذيبهم الحسرة يوم القيامة ، والمعنى أنهم كذبوا إلى أن ظهرت الساعة بغتة . فإن قيل : إنما يتحسرون عند موتهم . قلنا : لما كان الموت وقوعاً في أحوال الآخرة ومقدماتها جعل من جنس الساعة وسمي باسمها ولذلك قال عليه السلام : " من مات فقد قامت قيامته " والمراد بالساعة القيامة ، وفي تسمية يوم القيامة بهذا الاسم وجوه : الأول : أن يوم القيامة يسمى الساعة لسرعة الحساب فيه كأنه قيل : ما هي إلا ساعة الحساب . الثاني : الساعة هي الوقت الذي تقوم القيامة سميت ساعة لأنها تفجأ الناس في ساعة لا يعلمها أحد إلا الله تعالى . ألا ترى أنه تعالى قال : * ( بغتة ) * والبغت والبغتة هو الفجأة والمعنى : أن الساعة لا تجيء إلا دفعة لأنه لا يعلم أحد متى يكون مجيئها ، وفي أي وقت يكون حدوثها وقوله * ( بغتة ) * انتصابه على الحال بمعنى : باغتة أو على المصدر كأنه قيل : بغتتهم الساعة بغتة . ثم قال تعالى : * ( قالوا يا حسرتنا ) * قال الزجاج : معنى دعاء الحسرة تنبيه للناس على ما سيحصل لهم من الحسرة والعرب تعبر عن تعظيم أمثال هذه الأمور بهذه اللفظة كقوله تعالى : * ( يا حسرة على العباد ) * ( يس : 30 ) و * ( يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله ) * ( الزمر : 56 ) * ( يا ويلتي أألد ) * ( هود : 72 ) وهذا أبلغ من أن يقال : الحسرة علينا في تفريطنا ومثله * ( يا أسفي على يوسف ) * ( يوسف : 84 ) تأويله يا أيها الناس تنبهوا على ما وقع بي من الأسف فوقع النداء على غير المنادى في الحقيقة . وقال سيبويه : إنك إذا قلت يا عجباه فكأنك قلت يا عجب أحضر وتعال فإن هذا زمانك . إذا عرفت هذا فنقول : حصل للنداء ههنا تأويلان : أحدهما : أن النداء للحسرة ، والمراد منه تنبيه المخاطبين وهو قول الزجاج . والثاني : أن المنادى هو نفس الحسرة على معنى : أن هذا وقتك فاحضري وهو قول سيبويه وقوله * ( على ما فرطنا فيها ) * فيه بحثان . البحث الأول : قال أبو عبيدة يقال : فرطت في الشيء أي ضيعته فقوله * ( فرطنا ) * أي تركنا وضيعنا وقال الزجاج : فرطنا أي قدمنا العجز جعله من قولهم فرط فلان إذا سبق وتقدم ، وفرط الشيء إذا قدمه . قال الواحدي : فالتفريط عنده تقديم التقصير . والبحث الثاني : أن الضمير في قوله * ( فيها ) * إلى ماذا يعود فيه وجوه : الأول : قال ابن عباس في الدنيا والسؤال عليه أنه لم يجر للدنيا ذكر فكيف يمكن عود هذا الضمير إليها . وجوابه : أن العقل دل على أن موضع التقصير ليس إلا الدنيا ، فحسن عود الضمير إليها لهذا المعنى . الثاني : قال الحسن