تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 147

مساهمون:

ص١٤٧
واعلم أن هذه الكلمة بحر لا ساحل له ، لأن العالم اسم لكل ما سوى الله تعالى ، وما سوى الله إما جسم أو حال فيه أو لا جسم ولا حال فيه ، وهو الأرواح . ثم الأجسام إما فلكية ، وإما عنصرية . أما الفلكيات فأولها العرش المجيد ، ثم الكرسي الرفيع . ويجب على العاقل أن يعرف أن العرش ما هو ، وأن الكرسي ما هو ، وأن يعرف صفاتهما وأحوالهما ، ثم يتأمل أن اللوح المحفوظ ، والقلم والرفرف ، والبيت المعمور ، وسدرة المنتهى ما هي ، وأن يعرف حقائقها ، ثم يتفكر في طبقات السماوات وكيفية اتساعها وأجرامها وأبعادها ، ثم يتأمل في الكواكب الثابتة والسيارة ، ثم يتأمل في عالم العناصر الأربعة والمواليد الثلاثة وهي المعادن والنبات والحيوان ، ثم يتأمل في كيفية حكمة الله تعالى في خلقه الأشياء الحقيرة والضعيفة كالبق والبعوض ، ثم ينتقل منها إلى معرفة أجناس الأعراض وأنواعها القريبة والبعيدة ، وكيفية المنافع الحاصلة من كل نوع من أنواعها ، ثم ينتقل منها إلى تعرف مراتب الأرواح السفلية والعلوية والعرشية والفلكية ، ومراتب الأرواح المقدسة عن علائق الأجسام المشار إليها بقوله * ( ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ) * ( الأنبياء : 19 ) فإذا استحضر مجموع هذه الأشياء بقدر القدرة والطاقة ، فقد حضر في عقله ذرة من معرفة العالم ، وهو كل ما سوى الله تعالى . ثم عند هذا يعرف أن كل ما حصل لها من الوجود وكمالات الوجود في ذواتها من صفاتها وأحوالها وعلائقها ، فمن إيجاد الحق ومن جوده ووجوده ، فعند هذا يعرف من معنى قوله * ( الحمد لله ربّ العالمين ) * ذرة ، وهذا بحر لا ساحل له ، وكلام لا آخر له والله أعلم . المسألة السادسة : إنا وإن ذكرنا أن قوله * ( الحمد لله ربّ العالمين ) * أُجري مجرى قوله قولوا : الحمد لله ربّ العالمين فإنما ذكرناه لأن قوله في أثناء السورة * ( إياك نعبد وإياك نستعين ) * لا يليق إلا بالعبد فلهذا السبب افتقرنا هناك إلى هذا الاضمار . أما هذه السورة وهي قوله * ( الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض ) * فلا يبعد أن يكون المراد منه ثناء الله تعالى به على نفسه . وإذا ثبت هذا فنقول : إن هذا يدل من بعض الوجوه ، على أنه تعالى منزّه عن الشبيه في اللذات والصفات والأفعال وذلك لأن قوله * ( الحمد لله ) * جار مجرى مدح النفس وذلك قبيح في الشاهد ، فلما أمرنا بذلك دلّ هذا على أنه لا يمكن قياس الحق على الخلق ، فكما أن هذا قبيح من الخلق مع أنه لا يقبح من الحق ، فكذلك ليس كل ما يقبح من الخلق وجب أن يقبح من الحق . وبهذا الطريق وجب أن يبطل كلمات المعتزلة في أن ما قبح منا وجب أن يقبح من الله . إذا عرفت بهذا الطريق أن أفعاله لا تشبه أفعال الخلق ، فكذلك صفاته لا تشبه صفات الخلق ، وذاته لا تشبه ذوات الخلق ، وعند هذا يحصل التنزيه المطلق والتقديس الكامل عن كونه تعالى