تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 138

مساهمون:

ص١٣٨
ترى أن إبليس قال : * ( إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم ) * ( إبراهيم : 22 ) فلم ينفعه هذا الصدق ، وهذا الكلام تصديق من الله تعالى لعيسى في قوله * ( ما قلت لهم إلا ما أمرتني به ) * ( المائدة : 117 ) . المسألة الثانية : قرأ جمهور القرّاء * ( يوم ) * بالرفع ، وقرأ نافع بالنصب ، واختاره أبو عبيدة . فمن قرأ بالرفع ، قال الزجاج : التقدير هذا اليوم يوم منفعة الصادقين ، وأما النصب ففيه وجوه : الأول : على أنه ظرف لقال والتقدير : قال الله هذا القول لعيسى يوم ينفع . الثاني : أن يكون التقدير : هذا الصدق واقع يوم ينفع الصادقين صدقهم ، ويجوز أن تجعل ظروف الزمان أخباراً عن الأحداث بهذا التأويل كقولك : القتال يوم السبت ، والحج يوم عرفة ، أي واقع في ذلك اليوم ، والثالث : قال الفرّاء : * ( يوم ) * أضيف إلى ما ليس باسم فبني على الفتح كما في يومئذ . قال البصريون هذا خطأ لأن الظرف إنما يبنى إذا أضيف إلى المبنى كقول النابغة . على حين عاتبت المشيب على الصبا بنى ( حين ) لإضافته إلى المبنى وهو الفعل الماضي وكذلك قوله * ( يوم لا تملك ) * ( الانفطار : 19 ) بني لإضافته إلى ( لا ) وهي مبنية ، أما هنا فالإضافة إلى معرب لأن ينفع فعل مستقبل ، والفعل المستقبل معرب فالإضافة إليه لا توجب البناء والله أعلم . ثم قال تعالى : * ( لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم ) * . اعلم أنه تعالى لما أخبر أن صدق الصادقين في الدنيا ينفعهم في القيامة ، شرح كيفية ذلك النفع وهو الثواب ، وحقيقة الثواب : أنها منفعة خالصة دائمة مقرونة بالتعظيم . فقوله * ( لهم جنّات تجري من تحتها الأنهار ) * إشارة إلى المنفعة الخالصة عن الغموم والهموم ، وقوله * ( خالدين فيها أبداً ) * إشارة إلى الدوام واعتبر هذه الدقيقة ، فإنه أينما ذكر الثواب قال : * ( خالدين فيها أبداً ) * وأينما ذكر عقاب الفساق من أهل الايمان ذكر لفظ الخلود ولم يذكر معه التأبيد ، وأما قوله تعالى : * ( رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم ) * فهو إشارة إلى التعظيم . هذا ظاهر قول المتكلمين ، وأما عند أصحاب الأرواح المشرقة بأنوار جلال الله تعالى ، فتحت قوله * ( رضي الله عنهم ورضوا عنه ) * أسرار عجيبة لا تسمح الأقلام بمثلها جعلنا الله من أهلها ، وقوله * ( ذلك الفوز العظيم ) * الجمهور على أن قوله * ( ذلك ) * عائد إلى جملة ما تقدم من قوله * ( لهم جنّات تجري ) * إلى قوله * ( ورضوا عنه ) * وعندي أنه يحتمل أن يكون ذلك مختصاً بقوله * ( رضي الله عنهم ورضوا عنه ) * فإنه ثبت عند أرباب الألباب أن جملة الجنة بما فيها بالنسبة إلى رضوان الله كالعدم بالنسبة إلى الوجود ، وكيف والجنة مرغوب الشهوة ، والرضوان