تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 136

مساهمون:

ص١٣٦
* ( كنت أنت الرقيب عليهم ) * قال الزجاج : الحافظ عليهم المراقب لأحوالهم . * ( وأنت على كل شيء شهيد ) * يعني أنت الشهيد لي حين كنت فيهم وأنت الشهيد عليهم بعد مفارقتي لهم ، فالشهيد الشاهد ويجوز حمله على الرؤية ، ويجوز حمله على العلم ، ويجوز حمله على الكلام بمعنى الشهادة فالشهيد من أسماء الصفات الحقيقية على جميع التقديرات ثم قال تعالى : * ( إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) * . فيه مسائل : المسألة الأولى : معنى الآية ظاهر ، وفيه سؤال : وهو أنه كيف جاز لعيسى عليه السلام أن يقول * ( وإن تغفر لهم ) * والله لا يغفر الشرك . والجواب عنه من وجوه : الأول : أنه تعالى لما قال لعيسى عليه السلام : * ( أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله ) * ( المائدة : 116 ) علم أن قوماً من النصارى حكوا هذا الكلام عنه ، والحاكي لهذا الكفر عنه لا يكون كافراً بل يكون مذنباً حيث كذب في هذه الحكاية وغفران الذنب جائز ، فلهذا المعنى : طلب المغفرة من الله تعالى ، والثاني : أنه يجوز على مذهبنا من الله تعالى أن يدخل الكفار الجنة وأن يدخل الزهاد والعباد النار ، لأن الملك ملكه ولا اعتراض لأحد عليه ، فذكر عيسى هذا الكرم ومقصوده منه تفويض الأمور كلها إلى الله ، وترك التعرض والاعتراض بالكلية ، ولذلك ختم الكلام بقوله * ( فإنك أنت العزيز الحكيم ) * يعني أنت قادر على ما تريد ، حكيم في كل ما تفعل لا اعتراض لأحد عليك ، فمن أنا والخوض في أحوال الربوبية ، وقوله إن الله لا يغفر الشرك فنقول : غفرانه جائز عندنا ، وعند جمهور البصريين من المعتزلة قالوا : لأن العقاب حق الله على المذنب وفي إسقاطه منفعة للمذنب ، وليس في إسقاطه على الله مضرة ، فوجب أن يكون حسناً بل دلّ الدليل السمعي في شرعنا على أنه لا يقع ، فلعل هذا الدليل السمعي ما كان موجوداً في شرع عيسى عليه السلام . الوجه الثالث : في الجواب أن القوم قالوا هذا الكفر فعيسى عليه السلام جوّز أن يكون بعضهم قد تاب عنه ، فقال : * ( ان تعذبهم ) * علمت أن أولئك المعذبين ماتوا على الكفر فلك أن تعذبهم بسبب أنهم عبادك ، وأنت قد حكمت على كل من كفر ممن عبادك بالعقوبة ، وإن تغفر لهم علمت أنهم تابوا عن الكفر ، وأنت حكمت على من تاب عن الكفر بالمغفرة . الوجه الرابع : أنا ذكرنا أن من الناس من قال : إن قول الله تعالى لعيسى * ( أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله ) * ( المائدة : 116 ) إنما كان عند رفعه إلى السماء لا في يوم القيامة ، وعلى