تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 79

مساهمون:

ص٧٩
ذنوب أصابوها حال كفرهم ، وعلى هذا التقدير لما كانت إصابة الذنوب وقت الكفر زيادة في الكفر فكذلك إصابة الطاعات وقت الإيمان يجب أن تكون زيادة في الإيمان . الثالث : أن الزيادة في الكفر إنما حصلت بقولهم * ( إنما نحن مستهزؤن ) * ( البقرة : 14 ) وذلك يدل على الاستهزاء بالدين أعظم درجات الكفر وأقوى مراتبه . ثم قال تعالى : * ( لم يكن الله ليغفر لهم ) * وفيه سؤالان : الأول : أن الحكم المذكور في هذه الآية إما أن يكون مشروطاً بما قبل التوبة أو بما بعدها ، والأول باطل لأن الكفر قبل التوبة غير مذكور على الإطلاق ، وحينئذ تضيع هذه الشرائط المذكورة في هذه الآية . والثاني : أيضاً باطل لأن الكفر بعد التوبة مغفورة ، ولو كان ذلك بعد ألف مرة ، فعلى كلا التقديرين فالسؤال لازم . والجواب عنه من وجوه : الأول : أنا لا نحمل قوله * ( إن الذين ) * على الاستغراق ، بل نحمله على المعهود السابق ، والمراد به أقوام معينون علم الله تعالى منهم أنهم يموتون على الكفر ولا يتوبون عنه قط فقوله * ( لم يكن الله ليغفر لهم ) * إخبار عن موتهم على الكفر ، وعلى هذا التقدير زال السؤال . الثاني : أن الكلام خرج على الغالب المعتاد ، وهو أن كل من كان كثير الانتقال من الإسلام إلى الكفر لم يكن للإسلام في قلبه وقع ولا عظم ، والظاهر من حال مثل هذا الإنسان أنه يموت على الكفر على ما قررناه . الثالث : أن الحكم المذكور في الآية مشروط بعدم التوبة عن الكفر ، وقول السائل : إن على هذا التقدير تضيع الصفات المذكورة . قلنا : إن إفرادهم بالذكر يدل على كفرهم أفحش وخيانتهم أعظم وعقوبتهم في القيامة أقوى فجرى هذا مجرى قوله * ( وإذا أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح ) * ( الأحزاب : 7 ) خصهما بالذكر لأجل التشريف ، وكذلك قوله * ( وملائكته . . . وجبريل وميكال ) * ( البقرة : 98 ) . السؤال الثاني : في قوله * ( ليغفر لهم ) * اللام للتأكيد فقوله * ( لم يكن الله ليغفر لهم ) * يفيد نفي التأكيد ، وهذا غير لائق بهذا الموضع إنما اللائق به تأكيد النفي ، فما الوجه فيه ؟ والجواب : أن نفي التأكيد إذا ذكر على سبيل التهكم كان المراد منه المبالغة في تأكيد النفي . ثم قال تعالى : * ( ولا ليهديهم سبيلاً ) * قال أصحابنا : هذا يدل على أنه سبحانه وتعالى لم يهد الكافر إلى الإيمان خلافاً للمعتزلة ، وهم أجابوا عنه بأنه محمول على المنع من زيادة اللطف ، أو على أنه تعالى لا يهديه في الآخرة إلى الجنة . ثم قال تعالى : * ( بشر المنافقين بأن لهم عذاباً أليماً ) * . واعلم أن من حمل الآية المتقدمة على المنافقين قال إنه تعالى بيّن أنه لا يغفر لهم كفرهم ولا