يهديهم إلى الجنة ، ثم قال : وكما لا يوصلهم إلى دار الثواب فإنه مع ذلك يوصلهم إلى أعظم أنواع العقاب ، وهو المراد من قوله * ( بشر المنافقين بأن لهم عذاباً أليماً ) * وقوله * ( بشر ) * تهكم بهم ، والعرب تقول : تحيتك الضرب ، وعتابك السيف .
ثم قال تعالى :
* ( الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً ) * .
* ( الذين ) * : نصب على الذم ، بمعنى أريد الذين ، أو رفع بمعنى هم الذين ، واتفق المفسرون على أن المراد بالذين يتخذون : المنافقون ، وبالكافرين اليهود ، وكان المنافقون يوالونهم ويقول بعضهم لبعض : إن أمر محمد لا يتم ، فيقول اليهود بأن العزة والمنعة لهم .
ثم قال تعالى : * ( أيبتغون عندهم العزة ) * قال الواحدي : أصل العزة في اللغة الشدة ، ومنه قيل للأرض الصلبة الشديدة : غزاز ، ويقال : قد استعز المرض على المريض إذا اشتد مرضه وكاد يأن يهلك ، وعز الهم اشتد ، ومنه عز على أن يكون كذا بمعنى اشتد ، وعز الشيء إذا قل حتى لا يكاد يوجد لأنه اشتد مطلبه ، واعتز فلان بفلان إذا اشتد ظهره به ، وشاة عزوز التي يشتد حلبها ويصعب والعزة القوة منقولة من الشدة لتقارب معنييهما . والعزيز القوي المنيع بخلاف الذليل .
إذا عرفت هذا فنقول : إن المنافقين كانوا يطلبون العزة والقوة بسبب اتصالهم باليهود ، ثم إنه تعالى أبطل عليهم هذا الرأي بقوله * ( فإن العزة لله جميعاً ) * .
فإن قيل : هذا كالمناقض لقوله * ( ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ) * ( المنافقين : 8 ) .
قلنا : القدرة الكاملة لله ، وكل من سواه فباقداره صار قادراً ، وبإعزازه صار عزيزاً ، فالعزة الحاصلة للرسول عليه الصلاة والسلام وللمؤمنين لم تحصل إلا من الله تعالى ، فكان الأمر عند التحقيق أن العزة جميعاً لله .
تفسير الرازي — صفحة 80
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٨٠