الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة ) * كأنه قيل : قد عرفتم كمال جسارة اليهود على المعاصي والذنوب وبعدهم عن الطاعات التي هي الوسائل للعبد إلى الرب ، فكونوا يا أيها المؤمنون بالضد من ذلك ، وكونوا متقين عن معاصي الله ، متوسلين إلى الله بطاعات الله . الوجه الثاني في النظم : أنه تعالى حكى عنهم أنهم قالوا * ( نحن أبناء الله وأحباؤه ) * ( المائدة : 18 ) أي نحن أبناء أنبياء الله ، فكان افتخارهم بأعمال آبائهم ، فقال تعالى : يا أيها الذين آمنوا ليكن مفاخرتكم بأعمالكم لا بشرف آبائكم وأسلافكم ، فاتقوا وابتغوا إليه الوسيلة ، والله أعلم . المسألة الثانية : اعلم أن مجامع التكليف محصورة في نوعين لا ثالث لهما : أحدهما : ترك المنهيات وإليه الإشارة بقوله * ( اتقوا الله ) * وثانيهما : فعل المأمورات ، وإليه الإشارة بقوله تعالى : * ( وابتغوا إليه الوسيلة ) * ولما كان ترك المنهيات مقدماً على فعل المأمورات بالذات لا جرم قدمه تعالى عليه في الذكر . وإنما قلنا : إن الترك مقدم على الفعل لأن الترك عبارة عن بقاء الشيء على عدمه الأصلي ، والفعل هو الايقاع والتحصيل ، ولا شك أن عدم جميع المحدثات سابق على وجودها ؛ فكان الترك قبل الفعل لا محالة . فإن قيل : ولم جعلت الوسيلة مخصوصة بالفعل مع أنا نعلم أن ترك المعاصي قد يتوسل به إلى الله تعالى ؟ قلنا : الترك إبقاء الشيء على عدمه الأصلي ، وذلك العدم المستمر لا يمكن التوسل به إلى شيء البتة فثبت أن الترك لا يمكن أن يكون وسيلة ، بل من دعاه داعي الشهورة إلى فعل قبيح ، ثم تركه لطلب مرضاة الله تعالى ، فهاهنا يحصل الوسل بذلك الامتناع إلى الله تعالى ، إلا أن ذلك الامتناع من باب الأفعال ، ولهذا قال المحققون : ترك الشيء عبارة عن فعل ضده .
إذا عرفت هذا فنقول : إن الترك والفعل أمران معتبران في ظاهر الأفعال ، فالذي يجب تركه هو المحرمات ، والذي يجب فعله هو الواجبات ، ومعتبران أيضاً في الأخلاق ، فالذي يجب حصوله هو الأخلاق الفاضلة ، والذي يجب تركه هو الأخلاق الذميمة ، ومعتبران أيضاً في الأفكار فالذي يجب فعله هو التفكر في الدلائل الدالة على التوحيد والنبوّة والمعاد ، والذي يجب تركه هو الالتفات إلى الشبهات ، ومعتبران أيضاً في مقام التجلي ، فالفعل هن الاستغراق في الله تعالى ، والترك هو الالتفات إلى غير الله تعالى : وأهل الرياضة يسمون الفعل والترك بالتحلية والتخلية ، وبالمحو والصحو ، وبالنفي والاثبات ، وبالفناء والبقاء ، وفي جميع المقامات النفي مقدم على الاثبات ، ولذلك كان قولنا " لا إله إلاّ الله " النفي مقدم فيه إلى الاثبات .
تفسير الرازي — صفحة 219
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٢١٩