تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 216

مساهمون:

ص٢١٦
وصلب ، ومن اقتصر على أخذ المال قطع يده ورجله من خلاف . ومن أخاف السبل ولم يأخذ المال نفي من الأرض ، وهذا قول الأكثرين من العلماء ، وهو مذهب الشافعي رحمه الله ، والذي يدل على ضعف القول الأول وجهان : الأول : أنه لو كان المراد من الآية التخيير لوجب أن يمكن الإمام من الاقتصار على النفي ، ولما أجمعوا على أنه ليس له ذلك علمنا أنه ليس المراد من الآية التخيير ، والثاني : أن هذا المحارب إذا لم يقتل ولم يأخذ المال فقد همّ بالمعصية ولم يفعل ، وذلك لا يوجب القتل كالعزم على سائر المعاصي ، فثبت أنه لا يجوز حمل الآية على التخيير ، فيجب أن يضمر في كل فعل على حدة فعلاً على حدة ، فصار التقدير : أن يقتلوا أن قتلوا ، أو يصلبوا إن جمعوا بين أخذ المال والقتل ، أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف إن اقتصروا على أخذ المال أو ينفوا ممن الأرض إن أخافوا السبل ، والقياس الجلي أيضاً يدل على صحة ما ذكرناه لأن القتل العمد العدوان يوجب القتل ، فغلظ ذلك في قاطع الطريق ، وصار القتل حتماً لا يجوز العفو عنه ، وأخذ المال يتعلق به القطع في غير قاطع الطريق ، فغلظ ذلك في قاطع الطريق بقطع الطرفين ، وإن جمعوا بين القتل وبين أخد المال جمع في حقهم بين القتل وبني الصلب ، لأن بقاءه مصلوباً في ممر الطريق يكون سبباً لاشتهار إيقاع هذه العقوبة ، فيصير ذلك زاجراً لغيره عن الاقدام على مثل هذه المعصية ، وأما إن اقتصر على مجرد الإخافة اقتصر الشرع منه على عقوبة خفيفة وهي النفي من الأرض . المسألة الخامسة : قال أبو حنيفة رحمه الله : إذا قتل وأخذ المال فالإمام مخير فيه بين ثلاثة أشياء . أن يقتلهم فقط ، أو يقتلهم ويقطع أيديهم وأرجلهم قبل القتل ، أو يقتلهم ويصلبهم ، وعند الشافعي رحمه الله : لا بدّ من الصلب ، وهو قول أبي يوسف رحمه الله . حجة الشافعي رحمه الله : أنه تعالى نص على الصلب كما نص على القتل فلم يجز إسقاط الصلب كما لم يجز إسقاط القتل . ثم اختلفوا في كيفية الصلب ، فقيل : يصلب حياً ثم بطنه برمح حتى يموت ، وقال الشافعي رحمه الله : يقتل ويصلى عليه ثم يصلب . المسألة السادسة : اختلفوا في تفسير النفي من الأرض . قال الشافعي رحمه الله : معناه إن وجد هؤلاء المحاربين قتلهم وصلبهم وقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ، وإن لم يجدهم طلبهم أبداً حتى إذا قدر عليهم فعل بهم ما ذكرناه ، وبه قال أحمد وإسحاق رحمهما الله . وقال أبو حنيفة رحمه الله : النفي من الأرض هو الحبس ، وهو اختيار أكثر أهل اللغة ، قالوا : ويدل عليه أن قوله * ( أو ينفوا من الأرض ) * إما أن يكون المراد النفي من جميع الأرض ، وذلك غير ممكن مع بقاء الحياة ، وإما أن يكون إخراجه من تلك البلدة إلى بلدة أخرى ، وهو أيضاً غير جائز ؛ لأن الغرض من هذا النفي دفع شره
تفسير الرازي — صفحة 216 | فخر الدين الرازي