المسألة الخامسة : في قوله * ( كتب الله لكم ) * فائدة عظيمة ، وهي أن القوم وإن كانوا جبارين إلا أن الله تعالى لما وعد هؤلاء الضعفاء بأن تلك الأرض لهم ، فإن كانوا مؤمنين مقرين بصدق موسى عليه السلام علموا قطعاً أن الله ينصرهم عليهم ويسلطهم عليهم فلا بدّ وأن يقدموا على قتالهم من غير جبن ولا خوف ولا هلع ، فهذه هي الفائدة من هذه الكلمة . ثم قال : * ( ولا ترتدوا على أدباركم ) * وفيه وجهان : الأول : لا ترجعوا عن الدين الصحيح إلى الشك في نبوّة موسى عليه السلام ، وذلك لأنه عليه السلام لما أخبر أن الله تعالى جعل تلك الأرض لهم كان هذا وعداً بأن الله تعالى ينصرهم عليهم ، فلو لم يقطعوا بهذه النصرة صاروا شاكين في صدق موسى عليه السلام فيصيروا كافرين بالإلهية والنبوّة . والوجه الثاني : المراد لا ترجعوا عن الأرض التي أمرتم بدخولها إلى الأرض التي خرجتم عنها . يروى أن القوم كانوا قد عزموا على الرجوع إلى مثر ، وقوله * ( فتنقلبوا خاسرين ) * فيه وجوه : أحدها : خاسرين في الآخرة فإنه يفوتكم الثواب ويلحقكم العقاب ، وثانيها : ترجعون إلى الذل ، وثالثها : تموتون في التيه ولا تصلون إلى شيء من مطالب الدنيا ومنافع الآخرة .
ثم أخبر الله تعالى عنهم أنهم * ( قالوا يا موسى إن فيها قوماً جبارين ) * وفي تفسير الجبارين وجهان : الأول : الجبار فعال من جبره على الأمر بمعنى أجبره عليه ، وهو العاتي الذي يجبر الناس على ما يريد ، وهذا هو اختيار الفرّاء والزجاج . قال الفرّاء : لم أسمع فعالاً من أفعل إلا في حرفين وهما : جبار من أجبر ، ودراك من أدرك ، والثاني : أنه مأخوذ من قولهم نخلة جبارة إذا كانت طويلة مرتفعة لا تصل الأيدي إليها ، ويقال : رجل جبار إذا كان طويلاً عظيماً قوياً ، تشبيهاً بالجبار من النخل والقوم كانوا في غاية القوة وعظم الأجسام بحث كانت أيدي قوم موسى ما كانت تصل إليهم ، فسموهم جبارين لهذا المعنى . ثم قال القوم * ( وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون ) * وإنما قالوا هذا على سبيل الاستبعاد كقوله تعالى : * ( ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط ) * ( الأعراف : 40 ) .
ثم قال تعالى :
* ( قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا
تفسير الرازي — صفحة 198
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٩٨