والتحريف قد تطرق إلى الشرائع المتقدمة لتقادم عهدها وطول زمانها ، وبسبب ذلك اختلط الحق بالباطل والصدق بالكذب ، وصار ذلك عذراً ظاهر في اعراض الخلق عن العبادات . لأن لهم أن يقولوا : يا إلهنا عرفنا أنه لا بدّ من عبادتك ولكنا ما عرفنا كيف نعبد ، فبعث الله تعالى في هذا الوقت محمداً عليه الصلاة والسلام إزالة لهذا العذر ، وهو * ( أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير ) * يعني إنما بعثنا إليكم الرسول في وقت الفترة كراهة أن تقولوا : ما جاءنا في هذا الوقت من بشير ولا نذير . ثم قال تعالى : * ( فقد جاءكم بشير ونذير ) * فزالت هذه العلة وارتفع هذا العذر . ثم قال : * ( والله على كل شيءٍ قدير ) * والمعنى أن حصول الفترة يوجب احتياج الخلق إلى بعثة الرسل ، والله تعالى قادر على كل شيء ، فكان قادراً على البعثة ، ولكن كان الخلق محتاجين إلى البعثة ، والرحيم الكريم قادراً على البعثة وجب في كرمه ورحمته أن يبعث الرسل إليهم ، فالمراد بقوله * ( والله على كل شيءٍ قدير ) * الإشارة إلى الدلالة التي قررناها .
قوله تعالى
* ( وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَآءَ وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً وَءَاتَاكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّن الْعَالَمِينَ ) * .
واعلم أن وجه الاتصال هو أن الواو في قوله * ( وإذ قال موسى لقومه ) * واو عطف ، وهو متصل بقوله * ( ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل ) * ( المائدة : 12 ) كأنه قيل : أخذ عليهم الميثاق وذكرهم موسى نعم الله تعالى وأمرهم بمحاربة الجبارين فخالفوا في القول في الميثاق ، وخالفوه في محاربة الجبارين . وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : أنه تعالى منّ عليهم بأمور ثلاثة : أولها : قوله * ( إذ جعل فيكم أنبياء ) * لأنه لم يبعث في أمة ما بعث في بني إسرائيل من الأنبياء ، فمنهم السبعون الذين اختارهم موسى من قومه
تفسير الرازي — صفحة 195
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٩٥