المسألة الأولى : دلّت الآية على أنه تعالى مريد ، وهذا متفق عليه بين الأئمة ، إلاّ أنهم اختلفوا في تفسير كونه مريداً ، فقال الحسن النجار : أنه مريد بنعمته أنه غير مغلوب ولا مكره ، وعلى هذا التقدير فكونه تعالى * ( مريداً ) * صفة سلبية ، ومنهم من قال : إنه صفة ثبوتية ، ثم اختلفوا فقال بعضهم : معنى كونه مريداً لأفعال نفسه أنه دعاه الداعي إلى إيجادها ، ومعنى كونه مريداً لأفعال غيره أنه دعاه الداعي إلى الأمر بها ، وهو قول الجاحظ وأبي قاسم الكعبي وأبي الحسين البصري من المعتزلة . وقال الباقون : كونه مريداً صفة زائدة على العلم ، وهو الذي سميناه بالداعي ، ثم منهم من قال : إنه مريد لذاته ، وهذه هي الرواية الثانية عن الحسن النجار . وقال آخرون : إنه مريد بإرادة ، ثم قال أصحابنا : مريد بإرادة قديمة . قالت المعتزلة البصرية : مريد بإرادة محدثة لا في محله وقالت الكرامية : مريد بإرادة محدثة قائمة بذاته والله أعلم . المسألة الثانية : قالت المعتزلة : دلت الآية على أن تكليف ما لا يطاق لا يوجد لأنه تعالى أخبر أنه ما جعل عليكم في الدين من حرج ، ومعلوم أن تكليف ما لا يطاق أشد أنواع الحرج . قال أصحابنا : لما كان خلاف المعلوم محال الوقوع فقد لزمكم ما ألزمتموه علينا . المسألة الثالثة : اعلم أن هذه الآية أصل كبير معتبر في الشرع ، وهو أن الأصل في المضار أن لا تكون مشروعة ، ويدل عليه هذه الآية فإنه تعالى قال : * ( ما جعل عليكم في الدين من حرج ) * ( الحج : 78 ) ويدل عليه أيضاً قوله تعالى : * ( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ) * ( البقرة : 185 ) ويدل عليه من الأحاديث قوله عليه السلام : " لا ضرر ولا ضرار في الإسلام " ويدل عليه أيضاً أن دفع الضرر مستحسن في العقول فوجب أن يكون الأمر كذلك في الشرع لقوله عليه السلام : " ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن " وأما بيان أن الأصل في المنافع الإباحة فوجوه : أحدها : قوله تعالى : * ( خلق لكم ما في الأرض جميعاً ) * ( البقرة : 29 ) وثانيها : قوله * ( أحل لكم الطيبات ) * ( المائدة : 4 ) وقد بينا أن المراد من الطيبات المستلذات والأشياء التي ينتفع بها ، وإذا ثبت هذان الأصلان فعند هذا قال نفاة القياس : لا حاجة البتة أصلاً إلى القياس في الشرع ؛ لأن كل حادثة تقع فحكمها المفصل إن كان مذكوراً في الكتاب والسنة فذاك هو المراد وإن لم يكن كذلك ، فإن كان من باب المضار حرمناه بالدلائل الدالة على أن الأصل في المضار الحرمة ، وإن كان من باب المنافع أبحناه بالدلائل الدالة على إباحة المنافع ، وليس لأحد أن يقدح في هذين الأصلين بشيء من الأقيسة لأن القياس المعارض لهذين الأصلين يكون قياساً واقعاً في مقابلة النص ، وأنه مردود فكان باطلاً .
المسألة الرابعة : قوله * ( ولكن يريد ليطهركم ) * اختلفوا في تفسير هذا التطهير ، فقال جمهور
تفسير الرازي — صفحة 176
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٧٦