تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 177

مساهمون:

ص١٧٧
أهل النظر من أصحاب أبي حنيفة رحمه الله : إن عند خروج الحدث تنجس الأعضاء نجاسة حكمية ، فالمقصود من هذا التطهير إزالة تلك النجاسة الحكمية ، وهذا الكلام عندنا بعيد جداً ، ويدل عليه وجوه : الأول : قوله تعالى : * ( إنما المشركون نجس ) * ( التوبة : 28 ) وكلمة * ( إنما ) * للحصر ، وهذا يدل على أن المؤمن لا تنجس أعضاؤه البتة . الثاني : قوله عليه السلام : " المؤمن لا ينجس حياً ولا ميتاً " فهذا الحديث مع تلك الآية كالنص الدال على بطلان ما قالوه . الثالث : أجمعت الأمة على أن بدن المحدث لو كان رطباً فأصابه ثوب لم يتنجس ، ولو حمله إنسان وصلّى لم تفسد صلاته ، وذلك بدل على أنه لا نجاسة في أعضاء المحدث . الرابع : أن الحدث لو كان يوجب نجاسة الأعضاء الأربعة ثم كان تطهير الأعضاء الأربعة يوجب طهارة كل الأعضاء لوجب أن لا يختلف ذلك باختلاف الشرائع ، ومعلوم أنه ليس الأمر كذلك . الخامس : أن خروج النجاسة من موضع كيف يوجب تنجس موضع آخر ! السادس : أن قوله * ( ولكن يريد ليطهركم ) * مذكور عقيب التيمم ، ومن المعلوم بالضرورة أن التيمم زيادة في التقدير وإزالة الوضاءة والنظافة ، وأنه لا يزيل شيئاً من النجاسات أصلاً ، السابع : أن المسح على الخفين قائم مقام غسل الرجلين ، ومعلوم أن هذا المسح لا يزيل شيئاً البتة عن الرجلين ، الثامن : أن الذي يراد زواله إن كان من جملة الأجسام فالحس يشهد ببطلان ذلك ، وإن كان من جملة الإعراض فهو محال ، لأن انتقال الأعراض محال ، فثبت بهذه الوجوه أن الذي يقوله هؤلاء الفقهاء بعيد . الوجه الثاني : في تفسير هذا التطهير أن يكون المراد منه طهارة القلب عن صفة التمرد عن طاعة الله تعالى ، وذلك لأن الكفر والمعاصي نجاسة للأرواح ، فإن النجاسة إنما كانت نجاسة لأنها شيء يراد نفيه وإزالته وتبعيده ، والكفر المعاصي كذلك ، فكانت نجاسات روحانية ، وكما أن إزالة النجاسات الجسمانية تسمى طهارة فكذلك إزالة هذه العقائد الفاسدة والأخلاق الباطلة تسمى طهارة ، ولهذا التأويل قال الله تعالى : * ( إنما المشركون نجس ) * فجعل رأيهم نجاسة ، وقال * ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً ) * ( الأحزاب : 33 ) فجعل براءتهم عن المعاصي طهارة لهم . وقال في حق عيسى عليه السلام : * ( إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا ) * ( آل عمران : 55 ) فجعل خلاصه عن طعنهم وعن تصرفهم فيه تطهيراً له . وإذا عرفت هذا فنقول : إنه تعالى لما أمر العبد بإيصال الماء إلى هذه الأعضاء المخصوصة وكانت هذه الأعضاء طاهرة لم يعرف العبد في هذا التكليف فائدة معقولة ، فلما انقاد لهذا التكليف كان ذلك الانقياد لمحض إظهار العبودية والانقياد للربوبية ، فكان هذا الانقياد قد أزال عن قلبه آثار التمرد فكان ذلك طهارة ، فهذا هو الوجه الصحيح في تسمية هذه الأعمال طهارة ، وتأكد
تفسير الرازي — صفحة 177 | فخر الدين الرازي