تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 152

مساهمون:

ص١٥٢
أن كلمة * ( إذا ) * لا تفيد العموم ، وأيضاً أن السيد إذ قال لعبده : إذا دخلت السوق فادخل على فلان وقل له كذا وكذا ، فهذا لا يفيد الأمر بالفعل إلا مرة واحدة . وأعلم أن مذهب داود في مسألة الطلاق غير معلوم : فلعله يلتزم العموم ، وأيضاً فله أن يقول : إنا قد دللنا على أن كلمة * ( إذا ) * في هذه الآية تفيد العموم لأن التكاليف الواردة في القرآن مبناها على التكرير ، وليس الأمر كذلك في الصور التي ذكرتم ، فإن القرائن الظاهرة دلت على أنه ليس مبني الأمر فيها على التكرير ، وأما الفقهاء فإنهم استدلوا على صحة قولهم بما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ لكل صلاة إلا يوم الفتح فإنه صلى الصلوات كلها بوضوء واحد . قال عمر رضي الله عنه : فقلت له في ذلك فقال : عمداً فعلت ذلك يا عمر . أجاب داود بأنا ذكرنا أن خبر الواحد لا ينسخ القرآن ، وأيضاً فهذا الخبر يدل على أنه صلى الله عليه وسلم كان مواظباً على تجديد الوضوء لكل صلاة ، وهذا يقتضي وجوب ذلك علينا لقوله تعالى : * ( فاتبعوه ) * ( سبأ : 20 ) بقي أن يقال : قد جاء في هذا الخبر أنه ترك ذلك يوم الفتح ، فنقول : لما وقع التعارض فالترجيح معنا من وجوه : الأول : هب أن التجديد لكل صلاة ليس بواجب لكنه مندوب ، والظاهر أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يزيد في يوم الفتح في الطاعات ولا ينقص منها ، لأن ذلك اليوم هو يوم إتمام النعمة عليه ، وزيادة النعمة من الله تناسب زيادة الطاعات لا نقصانها . والثاني : أن الاحتياط لا شك أنه من جانبنا فيكون راجحاً لقوله عليه الصلاة والسلام : " دع ما يريبك إلى ما لا يريبك " الثالث : أن ظاهر القرآن أولى من خبر الواحد . والرابع : أن دلالة القرآن على قولنا لفظية ، ودلالة الخبر الذي رويتم على قولكم فعلية ، والدلالة القولية أقوى من الدلالة الفعلية ، لأن الدلالة القولية غنية عن الفعلية ولا ينعكس ، فهذا ما في هذه المسألة والله أعلم . والأقوى في إثبات المذهب المشهور أن يقال : لو وجب الوضوء لكل صلاة لكان الموجب للوضوء هو القيام إلى الصلاة ولم يكن لغيره تأثير في إيجاب الوضوء ، لكن ذلك باطل لأنه تعالى قال في آخر هذه الآية * ( أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا ) * ( النساء : 43 ) أوجب التيمم على المتغوط والمجامع إذا لم يجد الماء ، وذلك يدل على كون كل واحد منهما سبباً لوجوب الطهارة عند وجود الماء ، وذلك يقتضي أن يكون وجوب الوضوء قد يكون بسبب آخر سوى القيام إلى الصلاة ، وذلك يدل على ما قلناه . المسألة الرابعة : اختلفوا في أن هذه الآية هل تدل على كون الوضوء شرطاً لصحة الصلاة ؟ والأصح أنها تدل عليه من وجهين : الأول : أنه تعالى علق فعل الصلاة على الطهور بالماء ، ثم بيّن