تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 150

مساهمون:

ص١٥٠
الرب وبين العبد عهد الربوبية وعهد العبودية ، فقوله * ( أوفوا بالعقود ) * طلب تعالى من عباده أن يفوا بعهد العبودية ، فكأنه قيل : إلهنا العهد نوعان : عهد الربوبية منك ، وعهد العبودية منا ، فأنت أولى بأن تقدم الوفاء بعهد الربوبية والإحسان . فقال تعالى : نعم أنا أوفي أولاً بعهد الربوبية والكرم ، ومعلوم أن منافع الدنيا محصورة في نوعين : لذات المطعم ، ولذات المنكح ، فاستقصى سبحانه في بيان ما يحل ويحرم من المطاعم والمناكح ، ولما كانت الحاجة إلى المطعوم فوق الحاجة إلى المنكوح ، لا جرم قدم بيان المطعوم على المنكوح ، وعند تمام هذا البيان كأنه يقول : قد وفيت بعهد الربوبية فيما يطلب في الدنيا من المنافع واللذات ، فاشتغل أنت في الدنيا بالوفاء بعهد العبودية ولما كان أعظم الطاعات بعد الإيمان الصلاة ، وكانت الصلاة لا يمكن إقامتها إلاّ بالطهارة ، لا جرم بدأ تعالى بذكر شرائط الوضوء فقال * ( يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق ) * وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : أعلم أن المراد بقوله * ( إذا قمتم إلى الصلاة ) * ليس نفس القيام ، ويدل عليه وجهان : الأول : أنه لو كان المراد ذلك لزم تأخير الوضوء عن الصلاة ، وأنه باطل بالإجماع . الثاني : أنهم أجمعوا على أنه لو غسل الأعضاء قبل الصلاة قاعداً أو مضطجعاً لكان قد خرج عن العهدة ، بل المراد منه : إذا شمرتم للقيام إلى الصلاة وأردتم ذلك ، وهذا وإن كان مجازاً إلا أنه مشهور متعارف ، ويدل عليه وجهان : الأول : أن الإرادة الجازمة سبب لحصول الفعل ، وإطلاق اسم السبب على المسبب مجاز مشهور . الثاني : قوله تعالى : * ( الرجال قوامون على النساء ) * ( النساء : 34 ) وليس المراد منه القيام الذي هو الانتصاب ، يقال : فلان قائم بذلك الأمر ، قال تعالى : * ( قائماً بالقسط ) * ( آل عمران : 18 ) وليس المراد منه البتة الانتصاب ، بل المراد كونه مريداً لذلك الفعل متهيئاً له مستعداً لإدخاله في الوجود ، فكذا ههنا قوله * ( إذا قمتم إلى الصلاة ) * معناه إذا أردتم أداء الصلاة والاشتغال بإقامتها . المسألة الثانية : قال قوم : الأمر بالوضوء تبع للأمر بالصلاة ، وليس ذلك تكليفاً مستقلاً بنفسه ، واحتجوا بأن قوله * ( إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا ) * جملة شرطية ، الشرط فيها القيام إلى الصلاة ، والجزاء الأمر بالغسل ، والمعلق على الشيء بحرف الشرط عدم عند عدم الشرط ، فهذا يقتضي أن الأمر بالوضوء تبع للأمر بالصلاة . وقال آخرون : المقصود من الوضوء الطهارة ، والطهارة مقصودة بذاتها بدليل القرآن والخبر ، أما القرآن فقوله تعالى في آخر الآية * ( ولكن يريد ليطهركم ) * وأما الحديث فقوله عليه الصلاة والسلام : " بني الدين على النظافة " وقال : " أمتي غر محجلون من آثار
تفسير الرازي — صفحة 150 | فخر الدين الرازي