تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 136

مساهمون:

ص١٣٦
ثم قال تعالى : * ( ذلكم فسق ) * وفيه وجهان : الأول : أن يكون راجعاً إلى الاستقسام بالأزلام فقط ومقتصراً عليه . والثاني : أن يكون راجعاً إلى جميع ما تقدم ذكره من التحليل والتحريم ، فمن خالف فيه راداً على الله تعالى كفر . فإن قيل : على القول الأول لم صار الاستقسام بالأزلام فسقاً ؟ أليس أنه صلى الله عليه وسلم كان يحب الفأل ، وهذا أيضاً من جملة الفأل فلم صار فسقاً ؟ قلنا : قال الواحدي : إنما يحرم ذلك لأنه طلب لمعرفة الغيب ، وذلك حرام لقوله تعالى : * ( وما تدري نفس ماذا تكسب غداً ) * ( لقمان : 34 ) وقال * ( قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله ) * ( النمل : 65 ) وروى أبو الدرداء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " من تكهن أو استقسم أو تطير طيرة ترده عن سفره لم ينظر إلى الدرجات العلى من الجنة يوم القيامة " . ولقائل أن يقول : لو كان طلب الظن بناء على الإمارات المتعارفة طلباً لمعرفة الغيب لزم أن يكون علم التعبير غيباً أو كفراً لأنه طلب للغيب ، ويلزم أن يكون التمسك بالفأل كفراً لأنه طلب للغيب ، ويتعين أن يكون أصحاب الكرامات المدعون للإلهامات كفاراً ، ومعلوم أن ذلك كله باطل ، وأيضاً فالآيات إنما وردت في العلم ، والمستقسم بالأزلام نسلم أنه لا يستفيد من ذلك علماً وإنما يستفيد من ذلك ظناً ضعيفاً ، فلم يكن ذلك داخلاً تحت هذه الآيات . وقال قوم آخرون أنهم كانوا يحملون تلك الأزلام عند الأصنام ويعقدون أن ما يخرج من الأمر والنهي على تلك الأزلام فبإرشاد الأصنام وإعانتهم ، فلهذا السبب كان ذلك فسقاً وكفراً ، وهذا القول عندي أولى وأقرب . قوله تعالى : * ( اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون ) * . اعلم أنه تعالى لما عدد فيما مضى ما حرّمه من بهيمة الأنعام وما أحله منها ختم الكلام فيها بقوله * ( ذلكم فسق ) * والغرض منه تحذير المكلفين عن مثل تلك الأعمال ، ثم حرضهم على التمسك