وأمّا إطلاق الأصحاب كون طلوع سهيل علامةً فالمراد به طلوعه على الأُفق المرئي ، كما قدّمناه ، وما بينه وبين الأُفق الحقيقي من التفاوت يزيد هذا القدر من الزيادة تقريباً خصوصاً مع غلبة الحزونة على أرض الشام وكثرة الارتفاع والانخفاض فيها ، والفقهاء لم يعتبروا طلوعه عن الأُفق الحقيقي لقلَّة الانتفاع به حينئذٍ ، بل أرادوا بروزه للناظر ، وذلك يوجب ارتفاعاً يزيد هذا التفاوت لأنّ الكوكب كلَّما ارتفع انحرف ، كما لا يخفى . وأمّا الصّبا فلمّا كان حدّ مطلعة ما بين نقطة المشرق ونقطة الشمال وكان القدر المعتدل منه يوجب الانحراف عن سمت قبلة الشاميّ ومخالفة ما تحقّق فيه من أُصوله ، وجب حمله على ما خرج منه دوين اعتداله نحو المشرق ، فإنّ المسامتة متّسعة ، فيكون إطلاقه في قوّة الإجمال ، كما حُمل المشرق والمغرب في قبلة العراق على ما انحرف عن اعتدالهما . وأيضاً فلو جاز حمله على الإطلاق ، لزم جواز القرب من معدل المشرق بحيث لا يبقى بين نقطته وبين وجه المصلَّي إلا يسير لأنّ طرف ريح الصّبا من جهة الجدْي يلحق الخدّ ، وهو فاسد قطعاً . وقد أشار إلى ذلك في الذكرى بقوله : وقد يقال : إنّ مبدأ هبوبها من مطلع الشمس يعني الصبا يجعله الشاميّ على الخدّ الأيسر ( 1 ) . وهو موافق لما ذكرناه لأنّ الخدّ إذا سامت مشرق الاعتدال ، كان الوجه منحرفاً عن نقطة الجنوب نحو المشرق يسيراً . وأمّا جَعْل الجدْي مستقيماً خلف الكتف الأيسر فيقتضي انحرافاً بيّناً في الجملة ، لكن لا يوجب زيادةً على ما حرّرنا ، بل هو أشدّ مناسبة له من غيره ، فتدبّر هذه الجملة ، فإنّك لا تظفر بها في غير هذا الكتاب ، واستقم كما أُمرت ، ولا تتّبع الهوى ولا ترتاب ، فإنّ الحقّ أحقّ أن يتبعه أُولو الألباب . ( وعلامة المغرب ) والمراد بعض أهل المغرب كالحبشة والنوبة ( جَعْل الثريّا ) عند طلوعها ( على اليمين ، والعيّوق ) بالتشديد ، وهو نجم أحمر مضيء في طرف المجرّة يتلو الثريّا ويبعد عنها إلى جهة الشمال كبُعْدها عن أنجم النظم عند طلوعه ( على الشمال ، والجدْي ) حال استقامته ( على صفحة الخدّ الأيسر ) . وإنّما قيّدنا المغرب ببعضه مع إطلاق الأصحاب له لأنّ البلاد المشهورة في زماننا
روض الجنان في شرح ارشاد الأذهان ( ط . ج ) — صفحة 537
مساهمون: الشهيد الثاني
ص٥٣٧
هامش
( 1 ) الذكرى 3 : 162 .