وقال الشيخ الحر : ( والأصحاب يعدون حديثه حسنا وصحيحا ) ( 1 ) وهو
إشارة إلى الخلاف في حسن حديثه وصحته ، ووجه الحسن ظاهر ( 2 ) أما
الصحة فهي إما لكونه ثقة أو من مشائخ الإجازة إذ لم يثبت له كتاب
يروى عنه ، أو المعنى : يعدون حديثه في هذين القسمين المعتبرين ، فيكون
الحسن باعتبار غيره لا باعتباره . ولعل هذا أظهر ، والأوجه انه شيخ ثقة
وحديثه صحيح .
علي بن الحسين بن موسى بن محمد بن موسى بن إبراهيم بن موسى
ابن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب - عليه
السلام - أبو القاسم المرتضى ( 3 ) علم الهدى ، ذو المجدين وصاحب
الفخرين والرياستين ، والمروج لدين جده سيد الثقلين في المائة الرابعة
هامش
( 1 ) ذكر ذلك الشيخ الحر العاملي - رحمه الله - في الفائدة الثانية عشرة من
خاتمة ( وسائل الشيعة ) باب ما صدر بابن ( ص 563 ) طبع إيران سنة 1324 ه .
( 2 ) ووجه الظهور : هو أن الحديث الحسن - على ما عرفه علماء فن الدراية -
ما اتصل سنده إلى المعصوم بامامي ممدوح من غير نص على عدالته مع تحقق ذلك
في جميع مراتب رواة طريقه ، أو تحقق ذلك في بعضها بان كان فيهم واحد إمامي
ممدوح غير موثق مع كون الباقي من الطريق من رجال الصحيح ، ويوصف الطريق
بالحسن لأجل ذلك الواحد ، والمراد بالممدوح - هنا - أن لا يكون فاسد العقيدة
ولا يكون ممدوحا من وجه ومذموما من وجه آخر ، ويكون المدح بما يخرج الراوي
عن قسم المجهولين ، وهو ينطبق كل الانطباق على علي بن أحمد بن أبي جيد
وروايته ، لما عرفت آنفا ، فلاحظ .
( 3 ) مهما حاول الكاتب أن يكتب في حياة الشريف المرتضى ويعدد فضائله
في العلم والأدب ، فهو دون عظمته ومقامه الأسمى ، فقد طبق صيته النوادي
وجاء ذكره الجميل في الكتب الفقهية والأدبية وفي طرق الإجازات ، ولهج
بذكره الأدباء والشعراء ، وسار شعره في الآفاق ، فهو - رحمه الله - شخصية
فذة قلما يسمح الزمان بمثله ومثل أخيه الشريف الرضي من الاعلام ، فماذا إذن يقول
القائل في إطرائه :
وإذا استطال الشئ قام بنفسه * وصفات ضوء الصبح تذهب باطلا
كانت داره تغص بالعلماء وطلاب الأدب ، ورواد العلم والمعرفة من شتى
الجهات الاسلامية وغيرها .
وقد اجتمع لديه من فنون العلوم وضروب الآداب ما قل أن يجتمع لسواه
وضرب فيها جميعها بسهم وافر فكان فقيها انتهت إليه رئاسة الإمامية في عصره -
بعد وفاة أستاذه محمد بن محمد بن النعمان المفيد سنة 413 ه - بعد أن درس الأصول
ومحض الحقائق ، واستخرج المسالك ، ونصب نفسه بعد ذلك للفتيا ، فشدت إليه
الرحال ، ووفدت إليه الناس من كل صقع ، ووضع لكل كتابا ، فهذه المسائل
الديلمية ، وتلك المسائل الطوسية ، وهذه المسائل المصرية والموصلية ، وهكذا
وحذق في علم الكلام وأصول الجدل ، فحاج النظراء والمتكلمين ، وناظر المخالفين
وكتابه الشافي حجة على طول باعه في الجدل ، وله في تفسير القرآن وتأويل الكتاب
ما كشف به عن بحر لا يسبر غوره ، ولا ينال دوكه ، وقد حفظ من أخبار العرب
وأشعارهم ولغتهم ما جعله في الرعيل الأول من الرواة الحفاظ والأدباء ، وبكل
هذا كان إمام عصره غير مدافع ، قال أبو الحسن علي بن بسام الشنتريني الأندلسي
المتوفى سنة 542 ه - على ما نقل عنه ابن خلكان في وفيات الأعيان ، واليافعي في
مرآة الجنان - في أواخر كتابه ( الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة ) : ( كان هذا
الشريف إمام أئمة العراق ، بين الاختلاف والاتفاق ، إليه فزع علماؤها ، وعنه
أخذ عظماؤها ، صاحب مدارسها ، وجماع شاردها وآنسها ، مما سارت أخباره ،
وعرفت به أشعاره ، وحمدت في ذات الله مآثره ، إلى تواليفه في الدين ، وتصانيفه
في أحكام المسلمين ، ما يشهد أنه فرع ذلك الأصل الأصيل ، ومن أهل ذلك البيت
الجليل ، وكان بعد هذا شاعرا ، وله ديوان شعر ) قال ابن شهرآشوب : ( إنه
يزيد على عشرين الف بيت اختاره من شعره ) وقد طبع في ثلاثة أجزاء بمصر سنة
1376 ه وقدم له كل من الأساتذة العلامة الكبير فقيد العلم والأدب الشيخ
محمد رضا الشبيبي ، ثم الأستاذ المحقق مصطفى جواد ، ثم الأستاذ الكبير رشيد
الصفار ، وكانت مقدمة ( الصفار ) ضافية فقد ألمت بحياة السيد المرتضى - رحمه
الله - وأغنت كل كاتب فيه وباحث .
وقال معاصره الثعالبي في ( تتمة اليتيمة ج 1 ص 53 ) طبع طهران سنة
1353 ه ( وقد انتهت الرئاسة اليوم ببغداد إلى المرتضى في المجد والشرف ، والعلم
والأدب ، والفضل والكرم ، وله شعر في نهاية الحسن ) ثم ذكر شيئا من شعره
وقال : ( وهو مما يتغنى به لرقته وحلاوته ) .
وذكره ابن حجر العسقلاني في ( لسان الميزان ، ج 4 ص 223 ) طبع حيدر
آباد دكن : - بعد أن أورد كلاما متهافتا - قال : ( . . . قال ابن أبي طي : هو
أول من جعل داره دار العلم وقدرها للمناظرة ، ويقال : إنه امر ولم يبلغ العشرين
وكان قد حصل على رئاسة الدنيا : العلم مع العمل الكثير في السر ، والمواظبة
على تلاوة القرآن وقيام الليل وإفادة العلم ، وكان لا يؤثر على العلم شيئا مع
البلاغة وفصاحة اللهجة ، وكان أخذ العلوم عن الشيخ المفيد . . . ويقال : إن الشيخ
أبا إسحاق الشيرازي كان يصفه بالفضل حتى نقل عنه أنه قال كان الشريف
المرتضى ثابت الجأش ، ينطق بلسان المعرفة ، ويردد الكلمة المسددة فتمرق مروق
السهم من الرمية ، ما أصاب أصمى ، وما أخطأ أشوى .
إذا شرع الناس الكلام رأيته * له جانب منه وللناس جانب
وذكر بعض الامامية : أن المرتضى أول من بسط كلام الامامية في الفقه
وناظر الخصوم ، واستخرج الغوامض ، وقيد المسائل ، وهو القائل في ذلك :
كان لولاي غائضا مكرع الفقه * سحيق المدى بحر الكلام
ومعان شحطن لطفا عن * الأفهام قربتها من الأفهام
ودقيق أبرزته بجليل * وحلال أبنته من حرام )
وهذه الأبيات من قصيدة طويلة قالها الشريف المرتضى - رحمه الله - في الفخر
والحماسة ، انظرها في ديوانه ( ج 3 ص 260 ) .
وليلاحظ أن ابن حجر في ترجمته للمرتضى غير وبدل في بعض الألفاظ
كما غير وبدل في أبياته المذكورة ، ولعل بعضها من شطحاته أو من شطحات
المطبعة . هذا ما عدا الذي سقط منها واختلاطها بترجمة أبي الحسن علي بن الحسين
المسعودي المؤرخ العلامة المشهور .
وقد سئل عن المرتضى فيلسوف المعرة أبو العلاء - بعد أن حضر مجلسه -
فقال :
يا سائلي عنه لما جئت أسأله * فإنه الرجل العاري عن العار
لو جئته لرأيت الناس في رجل * والدهر في ساعة والأرض في دار
وكان نصير الدين الطوسي الفيلسوف الرياضي المشهور يقول إذا جرى ذكر
المرتضى في درسه - : ( صلوات الله عليه ) ثم يلتفت إلى القضاة والمدرسين الحاضرين
درسه ويقول : كيف لا يصلى على المرتضى ؟
ذكر ذلك السيد الخوانساري في روضات الجنات في ترجمته ( ص 385 )
لقب المرتضى بلقب السيد ، والشريف ، والمرتضى ، وذي المجدين ، والثمانيني
وعلم الهدى وأول من لقبه باللقب الأخير هو الوزير أبو سعد محمد بن الحسين بن
عبد الصمد سنة 420 ه ، ذكر ذلك صاحب روضات الجنات ( ص 383 ) والشهيد
الأول في الحديث الثالث والعشرين من كتاب أربعينه الملحق بكتاب الغيبة للنعماني
( ص 195 ) طبع إيران سنة 1318 ه
وأما كنيته فأبو القاسم ، ولم نجد له كنية غير هذه .
ويروي الشريف المرتضى ، عن الشيخ المفيد ، وأبي محمد هارون بن موسى
التلعكبري والحسين بن علي بن بابويه - أخي الصدوق القمي - وأبي الحسن أحمد بن علي بن
سعيد الكوفي عن محمد بن يعقوب الكليني ، وأبي عبد الله محمد بن عمران بن موسى
ابن عبيد الله الكاتب الخراساني الأصل والبغدادي المولد ، المعروف بالمرزباني
المتوفى ببغداد سنة 384 ه ، وأكثر رواياته في ( الأمالي ) عنه ، ويروي كذلك فيه
عن أبي القاسم عبيد الله بن عثمان بن يحيى الدقاق المعروف بابن جنيقا المتوفى في
شهر رجب سنة 390 ه ، وأبي الحسن علي بن محمد بن عبد الرحيم بن دينار الكاتب .
ويقول سيدنا الحجة الصدر في كتابه ( تأسيس الشيعة : ص 391 ) - بعد أن ترجم
له - ( وقد استقصيت مشايخ إجازاته في كتاب ( طبقات مشايخ الإجازات ) ) .
( وقد عاصر الشريف المرتضى من الخلفاء أربعة هم : المطيع ، وكانت
خلافته منذ سنة 334 ه إلى سنة 363 ه ، وكان عمر الشريف المرتضى - حين وفاة
المطيع - لم يتجاوز ثمانية أعوام ، لذا لم يرد ذكره في الديوان . ثم ولي الخلافة
الطائع إلى سنة 381 ه ، حيث وليها القادر إلى سنة 422 ه ، إذ وليها ابنه القائم
وهو شاب ، وللمرتضى في تهنئته بالخلافة سنة 422 ه ، وتعزيته بوفاة والده
القادر قصيدة في أول الديوان مطلعها :
أراعك ما راعني من ردى * وجدت له مثل حز المدى
كان هذا الخليفة - القائم - آخر من عاصره الشريف المرتضى ، حيث توفي
المرتضى سنة 436 ه وبقي القائم إلى سنة 467 ه
وعاصر المرتضى من الملوك : بهاء الدولة البويهي ، وأبناءه : شرف الدولة
وسلطان الدولة ، وركن الدين جلال الدولة ، ثم الملك أبا كاليجار المرزبان بن
سلطان الدولة بن بهاء الدولة .
وعاصر من الوزراء : أبا غالب محمد بن خلف ، والوزير أبا علي الرخجي
والوزير أبا علي الحسن بن حمد ، والوزير أبا سعد بن عبد الرحيم ، والوزير أبا الفتح
( كذا في الديوان ، ولعله ابن دارست وزير القائم ) والوزير أبا الفرج محمد بن
جعفر بن فسانجس ، والوزير أبا طالب محمد بن أيوب بن سليمان البغدادي ، والوزير
أبا منصور بهرام بن مافنة وزير الملك أبي كاليجار ، وغيرهم .
وعاصر من النقباء : والده الشريف أبا أحمد الموسوي ، وخاله الشريف أحمد
ابن الحسن الناصر ، وأخاه الشريف أبا الحسن محمدا الرضي ، والشريف أبا علي
عمر بن محمد بن عمر العلوي ، والشريف نقيب النقباء أبا الحسن الزينبي ، والشريف
أبا الحسين بن الشبيه العلوي ، وغيرهم .
وعاصر من الأمراء : الأمير أبا الغنائم محمد بن مزيد المقتول سنة 401 ه ،
وعميد الجيوش أبا علي أستاذ هرمز المتوفى في هذه السنة أيضا ، وأمير الأمراء
أبا منصور بويه بن بهاء الدولة ، والأمير أبا شجاع بكران بن بلفوارس ، والأمير
عنبر الملكي المتوفى سنة 420 ه ، وأمير عقيل غريب بن مقفى المتوفى سنة 425 ه
وغيرهم ) .
وعاصر من العلماء والقضاة والأدباء كثيرين ذكرهم الأستاذ ( الصفار ) في
مقدمة الديوان ( ص 102 - 103 ) كما ذكر تلامذته - وهم كثيرون - ص 103
إلى ص 109 .
وأخبار المرتضى كثيرة يتعذر على الباحث استيعابها وقد ذكر كثيرا منها
الأستاذ ( الصفار ) في مقدمة الديوان ، والأستاذ محمد أبو الفضل إبراهيم في مقدمة
( أمالي المرتضى ) المطبوع بمصر سنة 1373 ه ، ومنهما استقينا كثيرا في هذه
الترجمة .
ولزيادة الاطلاع راجع في أخباره : إنباه الرواة للقفطي ، وبغية الوعاة للسيوطي
وتاريخ الكامل لابن الأثير ، وتاريخ الاسلام للذهبي ، وتاريخ بغداد للخطيب
البغدادي ، وتاريخ أبي الفداء ، وتاريخ ابن كثير ، وتتمة اليتيمة للثعالبي ، وجمهرة
الأنساب لابن حزم ، ووفيات الأعيان لابن خلكان ، ودمية القصر للباخرزي
وغاية الاختصار المنسوب لابن زهرة ، ومجالس المؤمنين للقاضي نور الله التستري
وتوضيح المقاصد للشيخ البهائي ، ورياض العلماء للميرزا عبد الله أفندي ، وابن
بطوطة في رحلته ، والخلاصة للعلامة الحلي ، وكتاب الرجال لابن داود الحلي
وزهر الرياض لابن شدقم ، وعمدة الطالب لابن عنبة النسابة ، وكتاب الرجال
للنجاشي ، والفهرست للشيخ الطوسي . وكتاب رجاله ، وروضات الجنات
للخوانساري ، وسير النبلاء للذهبي ، وشذرات الذهب للعماد الحنبلي ، ولسان الميزان
لابن حجر العسقلاني ، ومرآة الجنان لليافعي ، ومعالم العلماء لابن شهرآشوب
والمنتظم لابن الجوزي ، والنجوم الزاهرة لابن تغري بردي ، ومعجم البلدان
للحموي ، والدرجات الرفيعة للسيد علي خان المدني ، وتذكرة المتبحرين
الحر العاملي ، ومعجم المؤلفين لكحالة ، والأعلام للزركلي ، والكنى والألقاب
للشيخ عباس القمي ، والفوائد الرضوية له أيضا ، ولؤلؤة البحرين للشيخ يوسف
البحراني ، وكشكوله ، وكتاب الغدير للعلامة الأميني ، ومنتهى المقال لأبي علي
الحائري ، وتنقيح المقال للعلامة الفقيه المامقاني ، والذريعة لشيخنا المحقق الطهراني
وتلخيص مجمع الآداب الجزء الرابع لابن الفوطي والوافي للوفيات للصفدي ،
وفوات الوفيات لابن شاكر الكتبي ، ونزهة الجليس للسيد عباس المكي ، وكشف
الظنون للچلبي ، وإيضاح المكنون للبغدادي ، وهدية العارفين له أيضا ، وأدب
المرتضى لمحيي الدين ، وتحفة الأزهار للسيد ضامن بن شدقم ، ومستدرك الوسائل
- الخاتمة - للمحدث النوري ، وغيرها كثير .