محمد بن عبد الواحد بن القاسم :
المكنى بأبي عمرو الزاهد ، وغلام ثعلب ، المطرز الباوردي ، نسبة إلى
( الباورد ) ويقال ( أبي وردي ) من خراسان أحد أئمة اللغة المشاهير
المكثرين ، صحب أبا العباس ثعلبا ، واستدرك على كتابه ( الفصيح )
شيئا . وله مصنفات كثرة ، مات سنة خمس وأربعين وثلاثمائة ( 1 ) .
محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي .
أبو جعفر شيخ مشايخ الشيعة ، وركن من أركان الشريعة رئيس
المحدثين ( 2 ) والصدوق فيما يرويه عن الأئمة الصادقين - عليهم السلام -
هامش
( 1 ) راجع - عن ترجمة له مفصلة - : هامش ( ص 7 ) من الجزء الثاني من
كتابنا - هذا - .
( 2 ) نشأ الصدوق - رحمه الله - برعاية أبيه الذي كان يجمع بين فضيلتي
العلم والعمل ، وشيخ القميين في عصره وفقيههم المشار إليه بالبنان ، وأدرك من أيام
أبيه أكثر من عشرين سنة ، اقتبس خلالها من أخلاقه وآدابه ومعارفه وعلومه
ما سما به على أقرانه .
وكانت نشأته الأولى في بلدة ( قم ) من بلاد إيران ، التي هي يومئذ كانت
تعج بالعلماء وحملة الحديث ، فأصبح آية في الحفظ والذكاء ، يحضر مجالس
الشيوخ ويسمع منهم ، ويروي عنهم وبلغ مشايخه ( 211 ) شيخا - على ما جاء في
بعض المعاجم الرجالية ، وقد ذكر بعضهم شيخنا المحدث النوري - قدس سره -
في خاتمه مستدرك الوسائل .
أخذ عن كثير من مشائخ أهل ( قم ) مثل محمد بن الحسن بن أحمد بن
الوليد ، وسمع من حمزة بن محمد بن أحمد بن جعفر بن محمد بن زيد بن علي
- عليه السلام - ثم سافر لطلب الحديث في رجب سنة 339 ه ، وتتابعت أسفاره
فطاف فيها كثيرا من البلدان يبادل العلماء السماع ، واستدعاه ركن الدولة البويهي
وطلب منه هو وأهالي الري السكنى فيها للاستفادة منه ، فلبى طلبهم ، فسافر إلى
الري وأقام هناك ، فالتف حوله جماهير أهلها يأخذون عنه أحكامهم ، فاخذ
الحديث من شيوخ البلد ، وسمع فيها في رجب سنة 347 ه من أبى الحسن محمد بن
أحمد بن أسد الأسدي المعروف بابن جرادة البردعي ، ويعقوب بن يوسف بن
يعقوب ، وأحمد بن محمد بن الصقر الصائغ العدل ، وأبى علي أحمد بن محمد بن
الحسن القطان المعروف بأبي علي بن عبد ربه الرازي ، وكان الصائغ والقطان من
شيوخ أهل الري ، كما وصفهما ( الصدوق ) بذلك .
وسافر بعد ذلك إلى كثير من البلدان وسمع بها من جماعة من الشيوخ وأولي
الفضل ، فوصل إلى خراسان وذلك في رجب سنة 352 ه كما ذكر ذلك في خاتمة
كتابه ( عيون أخبار الرضا ) فكانت هذه أولى زياراته لمشهد الإمام الرضا - عليه
السلام - وزار زيارة ثانية في شهر ذي الحجة سنة 367 ه ، وأملى بها من مجالسه
- عرض المجالس - عدة مجالس ، كان منها المجلس ال ( 26 ) أملاه يوم الغدير في
المشهد المقدس ، ثم عاد إلى الري ودخلها في آخر ذلك الشهر ، وأملى المجلس
ال ( 27 ) في غرة محرم سنة 368 ه ، وزار ثالثا سنة 368 ه في شعبان ، وذلك عند
خروجه إلى ديار ما وراء النهر ، وأملى بخراسان في سفره الثالث أربعة مجالس
من مجالسه ، وهي آخر ما هو موجود ، ومطبوع ، وكان إملاؤه لأولها هو
المجلس ال ( 94 ) في ليلة ( 17 ) شعبان ، ولآخرها ( 19 ) شعبان سنة 368 ه .
وسافر إلى إستراباد وجرجان ، سمع بهما من أبى الحسن محمد بن القاسم المفسر
الأسترآبادي الخطيب تفسير الإمام العسكري - عليه السلام - ومن أبى محمد القاسم
ابن محمد الأسترآبادي ، وأبي محمد عبدوس بن علي بن العباس الجرجاني ، ومحمد
ابن علي الأسترآبادي .
وسافر إلى نيشابور ، وردها في شعبان سنة 352 ه ، أي في سنة زيارته
الأولى لمشهد الرضا - عليه السلام - بعد منصرفه من ذلك المشهد ، وأقام بها مدة
اجتمع عليه أهلها يسألونه ويأخذون عنه .
وسافر إلى مرو الرود من مدن خراسان ، وردها في سفره إلى خرسان .
وسافر إلى سرخس ، وهي مدينة بنواحي خراسان بين نيسابور ومرو في
وسط الطريق ، وردها في طريقه إلى خراسان .
وسافر إلى سمر قند البلد المعروف المشهور ، وهو أهم بلدان ما وراء النهر ،
ورده سنة 368 ه .
وسافر إلى إيلاق ، وهي كورة من كور ما وراء النهر من أعمال سمرقند ،
وردها سنة 368 ه ، وأقام بها ، وفي مدة إقامته بها اجتمع بالشريف أبي عبد الله
محمد بن الحسن الموسوي المعروف بنعمة ، وبها وقف الشريف المذكور على أكثر
مصنفات الشيخ الصدوق - رحمه الله - فنسخها كما سمع منه أكثرها ، ورواها عنه
كلها ، وكانت مائتي كتاب وخمسة وأربعين كتابا ، ودارت بينهما أحاديث ،
وهو الذي طلب من الصدوق أن يصنف كتابا في الفقه والحلال والحرام والشرائع والأحكام
ويسميه ( من لا يحضره الفقيه ) فأجابه الصدوق وصنفه ، وقد ذكر
ذلك في مقدمة كتابه المذكور ، فراجعه .
وسافر إلى فرغانة ، وهي من مدن بلخ ، وردها في سفره ذلك .
وسافر إلى همدان ، وردها سنة 354 ه ، عندما توجه حاجا إلى بيت الله الحرام
وسافر إلى بغداد ، دخلها سنة 352 ه ، وحدث بها ، وسمع منه الشيوخ كما
أنه سمع هو من الشيوخ ، ودخلها مره ثانية بعد منصرفه من الحج سنة 355 ه ، وممن
سمع منهم ببغداد من الشيوخ : أبو محمد الحسن بن يحيى الحسيني العلوي ، وأبو الحسن
علي بن ثابت الدواليبي ، وكان سماعه منه في دخوله الأول سنة 352 ه ، وسمع
أيضا من محمد بن عمر الحافظ ، وإبراهيم بن هارون الهيبستي .
وسافر إلى الكوفة ، وردها في طريقه إلى الحج سنة 354 ه ، وسمع في مسجدها
الجامع من جماعة كمحمد بن بكران النقاش ، وأحمد بن إبراهيم بن هارون الفامي
والحسن بن محمد بن سعيد الهاشمي ، وأبي الحسن علي بن عيسى المجاور في مسجد
الكوفة ، وسمع من نفر آخرين في أماكن أخرى ، فقد سمع من محمد بن علي
الكوفي في مشهد الامام أمير المؤمنين - عليه السلام - في الكوفة ، وأبى الحسن علي
ابن الحسين بن شقير بن يعقوب بن الحرث بن إبراهيم الهمداني ، في منزله بالكوفة
وسمع من أبي ذر يحيى بن زيد بن العباس بن الوليد البزاز ، والحسن بن محمد
السكوني المزكى ، سمع منهما بالكوفة .
وسافر إلى فيد : وهو اسم مكان بين مكة والكوفة في نصف الطريق تقريبا
سمع بها - بعد منصرفه من مكة - من أبي علي أحمد بن أبي جعفر البيهقي .
ومن لاحظ مؤلفات الصدوق - رحمه الله - خاصة مشيخة كتابه ( من
لا يحضره الفقيه ) وباقي رواياته - يجده قد أخذ الرواية عن كثير من أعلام الخاصة
والعامة ، وتحمل عنهم الحديث في مختلف الفنون ، كما يجد أن جلهم من أفذاذ
العلماء الذين كانت تشد إليهم الرحال للتحمل والرواية في مختلف الحواضر
العلمية في القرن الرابع كبغداد ، والكوفة ، والري ، وقم ، ونيشابور ، وطوس ،
وبخاري ، تلك البلدان التي سافر إليها وحدث بها ، وحدثوه بها . فالصدوق شخصية
فذة لا مثيل لها في أهل ( قم ) ومدرسة علمية سيارة قائمة بشخصه الكريم .
توفي - رحمه الله - في بلدة الري سنة 381 ه ، مخلفا له جميل الذكر ، وحسن
الأحدوثة ، خالدا بحسناته الباقيات الصالحات ، وقبره بالري بالقرب من قبر السيد
عبد العظيم الحسنى - رضي الله عنه - في بقعة شرفت به ، وأضحت مزارا يلجأ
إليها الناس ويتبركون بها ويدفنون موتاهم حولها ، وفي صحنه قبور كثير من
العلماء وأهل الفضل والايمان .
( ملخص ) مقدمة ( علل الشرائع ) المطبوع في النجف الأشرف سنة 1382 ه
بقلم السيد محمد صادق بحر العلوم ) .