وكان نحيف الجسم حسن الصورة ، يدرس في علوم كثيرة ، ويجري على
تلامذته رزقا ، فكان للشيخ أبى جعفر الطوسي أيام قراءته عليه كل شهر
اثنا عشر دينارا ، وللقاضي ابن البراج كل شهر ثمانية دنانير وكان قد
وقف قرية على كاغذ الفقهاء ، وأصاب الناس في بعض السنين قحط شديد
فاحتال رجل يهودي على تحصيل قوت يحفظ به نفسه ، فحضر - يوما -
مجلس المرتضى ، وسأله أن يأذن له في أن يقرأ عليه شيئا من علم النجوم
فأذن له ، وأمر له بجراية تجري عليه كل يوم ، فقرأ عليه برهة ، ثم
أسلم على يديه . وكان - رحمه الله - يلقب ب ( الثمانيني ) لأنه أحرز من
كل شئ ثمانين ، حتى أن مدة عمره كانت ثمانين سنة وثمانية أشهر ،
وتولى نقابة النقباء ، وامارة الحاج والمظالم بعد وفاة أخيه الرضي - رحمه الله -
وهو منصب والدهما - رحمه الله - وذكر أبو القاسم التنوخي ( 1 ) - صاحب
هامش
( 1 ) أبو القاسم التنوخي - هذا - هو علي بن أبي علي المحسن بن علي بن محمد
ابن أبي الفهم ، داود بن إبراهيم بن تميم المعروف بالقاضي التنوخي صاحب السيد المرتضى
وتلميذه ، ذكره الأفندي في ( رياض العلماء ) فقال : ( . . . والأكثر أنه من الامامية
لكن العلامة - رحمه الله - قد عده في أواخر إجازته لأولاد زهرة من جملة علماء
العامة ومن مشايخ الشيخ الطوسي فتأمل ) .
وترجم له القاضي نور الله التستري في ( مجالس المؤمنين ج 1 ص 542 )
طبع إيران سنة 1375 ه قال : ( قال ابن كثير الشامي في حقه : إنه من أعيان
فضلاء عصره ، ولد بالبصرة سنة 365 ه ، وسمع الحديث سنة 370 ه ، وقبلت شهادته
عند الحكام في حداثته ، وتولى القضاء بالمدائن وغيرها ، وكان صدوقا محتاطا إلا
أنه يميل إلى الاعتزال والرفض ) .
وترجم له الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد ، وأثنى عليه وقال : ( كتبت عنه
وكان قد قبلت شهادته عند الحكام في حداثته ، ولم يزل على ذلك مقبولا إلى
آخر عمره ، وكان متحفظا في الشهادة محتاطا صدوقا في الحديث ، ومات في
ليلة الاثنين الثاني من المحرم سنة 447 ه ، ودفن يوم الاثنين في داره بدرب التل
وصليت على جنازته ) .
ووالده أبو علي المحسن بن علي التنوخي القاضي الامامي ، صاحب جامع
التواريخ وكتاب الفرج بعد الشدة ، وكان مصاحبا لعضد الدولة ، ذكره الثعالبي
في ( يتيمة الدهر : ج 2 ص 319 ) طبع مصر سنة 1352 ه ، فقال : ( هلال ذلك
القمر ، وغصن هاتيك الشجر ، والشاهد العدل لمجد أبيه وفضله ، والفرع المثيل
لأصله ، والنائب عنه في حياته ، والقائم مقامه بعد وفاته ) . ثم ذكر شيئا من شعره
توفي بالبصرة سنة 384 ه .
وأما جده علي بن محمد بن أبي الفهم داود الأنطاكي البغدادي أبو القاسم
ويعرف أيضا بالقاضي التنوخي ، فهو أديب شاعر ، عالم بأصول المعتزلة ، ولد
بأنطاكية سنة 278 ه ورحل إلى بغداد في حداثته فتفقه بها على مذهب أبي حنيفة
وكان معتزليا ، وولي قضاء البصرة والأهواز وغيرهما ، ثم أقام زمنا ببغداد ،
وكان من جلساء الوزير المهلبي ، وزار سيف الدولة الحمداني ، ومدحه . له ديوان
شعر ، ومن شعره مقصورة عارض بها الدريدية ، أولها :
لولا التناهي لم أطع نهي النهى * أي مدى يطلب من جاز المدى
يذكر بها مفاخر تنوخ وقضاعة ، توفي بالبصرة سنة 342 ه
ترجم له الثعالبي في ( يتيمة الدهر : ج 2 ص 309 ) وذكر شيئا من شعره ،
كما ترجم له صاحب مجالس المؤمنين ( ج 1 - ص 541 ) ، وتاريخ ابن خلكان
ومعجم الأدباء للحموي ، وتاريخ بغداد ، والفوائد البهية للهندي ، ومرآة الجنان
لليافعي ، ومعاهد التنصيص ( ج 2 - ص 12 ) وغير هؤلاء من أرباب المعاجم
والتواريخ .