فخرجوا شاهرين أسيافهم يقدمهم عمر بن الخطاب حتى وقفوا بباب مسجد
رسول الله ( ص ) فقال عمر : والله يا أصحاب على ، لئن ذهب الرجل
منكم بتكلم بالذي تكلم به بالأمس لنأخذن الذي فيه عيناه . فقام إليه خالد
ابن سعيد بن العاص ، وقال : يا بن صهاك الحبشية ، أفبأسيافكم تهددوننا
أم بجمعكم تفزعوننا ؟ والله إن أسيافنا أحد من أسيافكم ، وإنا لأكثر منكم
- وإن كنا قليلين - لان حجة الله فينا ، والله لولا أنى أعلم أن طاعة الله ورسوله
وطاعة إمامي أولى بي ، لشهرت سيفي ولجاهدتكم في الله إلى أن ابلى عذري
فقال له أمير المؤمنين - عليه السلام - : اجلس يا خالد ، فقد عرف الله
لك مقامك وشكر لك سعيك . . . " ( الحديث )
خباب بن الأرت التميمي : أبو عبد الله ( 1 ) أحد السابقين الأولين
هامش
( 1 ) خباب بن الأرت بن جندلة بن سعد بن خزيمة بن كعب بن
سعد بن زيد بن مناة بن تميم ، هكذا قيل في نسبه كما يقول ابن سعد في الطبقات
الكبرى ( ج 3 - ص 164 طبع بيروت ) ناقلا عن محمد بن عمر الواقدي أنه قال :
كذلك يقول ولد خباب أيضا يكنى خباب : أبا عبد الله ، وقيل : أبا محمد ، وقيل
أبا يحيى .
قال ابن عبد البر في الاستيعاب بهامش الإصابة ( ج 1 ص 423 ) طبع مصر
سنة 1328 ه : " اختلف في نسبه ، فقيل : هو خزاعي ، وقيل : هو تميمي ، ولم
يختلف انه حليف لبني زهرة ، والصحيح انه تميمي النسب ، لحقه سباه في الجاهلية
فاشترته امرأة من خزاعة وأعتقته ، وكانت من حلفاء عوف بن عبد عوف بن
الحرث بن زهرة ، فهو تميمي بالنسب ، خزاعي بالولاء ، زهري بالحلف . . . كان
قينا يعمل السيوف في الجاهلية فأصابه سباء فبيع بمكة فاشترته أم أنمار بنت سباع
الخزاعية وأبوها سباع حليف عوف بن عبد عوف - كما ذكرنا - وقد قيل : هو
مولى ثابت بن أم أنمار ، بل أم خباب هي أم سباع الخزاعية ولم يلحقه
= سباء ولكنه انتمى إلى حلفاء أمه بني زهرة . كان فاضلا من المهاجرين الأولين
شهد بدرا وما بعدها من المشاهد مع النبي صلى الله عليه وآله سلم ، وكان قديم
الاسلام ممن عذب في الله وصبر على دينه ، وكان رسول الله قد آخى بينه وبين
تميم مولى خراش بن الصمة ( وقيل ) : بل آخى بينه وبين جبر بن عتيك ، والأول
أصح ، والله أعلم . نزل الكوفة ومات بها سنة 37 ه ، منصرف علي عليه السلام من
صفين ( وقيل ) : بل مات سنة 39 ه ، بعد أن شهد مع علي : صفين والنهروان
وصلى عليه علي بن أبي طالب ، وكان سنة إذ مات ثلاثا وستين سنة ، وسأل عمر بن
الخطاب خبابا عما لقي من المشركين ، فقال : يا أمير المؤمنين انظر إلى ظهري فنظر
فقال : ما رأيت كاليوم ، قال خباب لقد أوقدت لي نار وسحبت عليها فما أطفأها
إلا ودك ظهري " ، ( الودك : الشحم ) .
وذكره ابن الجوزي في ( صفوة الصفوة ج 1 ص 168 ) ، طبع حيدر آباد
دكن سنة 1355 ه .
وعده الشيخ الطوسي في ( رجاله ) من أصحاب رسول الله ( ص ) : ( ص 19
رقم 3 ) .
وترجم له ابن الأثير الجزري في ( أسد الغابة ج 2 ص 98 ) ومما قال :
" . . وهو من السابقين الأولين في الاسلام وممن عذب في الله تعالى ، كان سادس
ستة في الاسلام . . . قال الشعبي : إن خبابا صبر ( اي على العذاب ) ولم يعط
الكفار ما سألوا ، فجعلوا يلصقون ظهره بالرضف ( الحجارة المحماة ) حتى ذهب
لحم متنه " .
وذكر مثله السيد علي خان المدني في الدرجات الرفيعة ( ص 404 ) طبع
النجف الأشرف .
وروى الجزري أيضا عن زيد بن وهب أنه قال : " سرنا مع علي حين رجع
من صفين حتى إذا كان عند باب الكوفة إذا نحن بقبور سبعة عن أيماننا فقال :
ما هذه القبور ؟ فقالوا : يا أمير المؤمنين ، إن خباب بن الأرت توفي بعد مخرجك
إلى صفين فأوصى ان يدفن في ظاهر الكوفة ، وكان الناس إنما يدفنون موتاهم في
أفنيتهم وعلى أبواب دورهم ، فلما رأوا خبابا أوصى ان يدفن بالظهر فدفن الناس
إلى جنبه ، فقال علي - رضي الله عنه - : رحم الله خبابا ، أسلم راغبا وهاجر طائعا
وعاش مجاهدا ، وابتلى في جسمه ، ولن يضيع الله أجر من أحسن عملا ، ثم دنا من
قبورهم ، فقال السلام عليكم يا أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ، أنتم لنا سلف
فارط ونحن لكم تبع عما قليل لاحق ، اللهم اغفر لنا ولهم ، وتجاوز بعفوك عنا وعنهم
طوبى لمن ذكر المعاد ، وعمل للحساب ، وقنع بالكفاف ، وأرضى الله عز وجل " .
ثم قال الجزري ( ص 100 ) : " قال أبو عمر : مات خباب سنة 37 ه ،
بعد ما شهد صفين مع علي - رضي الله عنه - والنهروان ، وصلى عليه علي ، وكان
عمره إذ مات ثلاثا وسبعين سنة . . . قلت : الصحيح إنه مات سنة 37 ه وإنه لم يشهد
صفين ، فإنه كان مرضه قد طال به فمنعه من شهودها . . . وقد أعقب عدة أولاد
منهم عبد الله ، وقتلته الخوارج أيام علي - رضي الله عنه - وله رواية عن النبي ( ص ) . . . "
وذكر نصر بن مزاحم في كتاب صفين ( ص 610 ) مثل ما رواه الجزري
عن زيد بن وهب مما ذكرناه آنفا .
وقال الحاكم في المستدرك ( ج 3 - ص 382 ) : " مات خباب بن الأرت
سنة 37 ه ، وهو أول من قبره علي بالكوفة من أصحاب رسول الله ( ص ) وأول
من صلي عليه بعد مرجع أمير المؤمنين من صفين " .
وروى ابن سعد في الطبقات الكبرى ( ج 3 ص 165 ، طبع بيروت ) عن
الشعبي قال : " دخل خباب بن الأرت على عمر بن الخطاب فأجلسه على متكئه وقال :
ما على الأرض أحد أحق بهذا المجلس من هذا إلا رجل واحد ، قال له خباب : من
هو يا أمير المؤمنين ؟ قال : بلال ( قال ) : فقال له خباب : يا أمير المؤمنين ما هو
بأحق منى ، إن بلالا كان له في المشركين من يمنعه الله به ولم يكن لي أحد يمنعني ،
فلقد رأيتني يوما أخذوني وأوقدوا لي نارا ثم سلقوني فيها ثم وضع رجل رجله على
صدري فما اتقيت الأرض - أو قال برد الأرض - إلا بظهري قال : ثم كشف عن
ظهره ، فإذا هو قد برص " .
وذكر مثله الذهبي في ( تاريخ الاسلام : ج 2 ص 176 ) طبع مصر سنة 1368 ه
ثم روى ابن سعد في الطبقات الكبرى ( ص 167 ) عن محمد بن عمر ( الواقدي )
بسنده عن عبد الله بن عبد الله بن الحارث بن نوفل قال : " سألت عبد الله بن خباب
متى مات أبوك ؟ قال : سنة 37 ه ، وهو يومئذ ابن ثلاث وسبعين سنة ، قال محمد
ابن عمر ( الواقدي ) : وسمعت من يقول : هو أول من قبره علي بالكوفة وصلى
عليه منصرفه من صفين " .
ثم روى أيضا ابن سعد بسنده " . . . قال حدثني ابن الخباب قال لي : أي بني
إذا أنامت فادفني بهذا ( الظهر ) ، فإنك لو قد دفنتني بالظهر ، قيل : دفن بالظهر
رجل من أصحاب رسول الله ( ص ) فدفن الناس موتاهم ، فلما مات خباب - رحمه
الله - دفن بالظهر فكان أول مدفون بظهر الكوفة خباب " .
وأما روايات خباب والراوون عنه ، فقد جاء في ( الإصابة ) لابن حجر
أنه روى عن النبي ( ص ) ، وفى ( ذيل المذيل ) لوفيات الأعيان تاريخ ابن خلكان لزين
الدين العراقي أنه روى عن رسول الله ( ص ) حديثا كثيرا ، وفي ( أسد الغابة ) لابن الأثير
الجزري أنه روى عنه ابنه عبد الله ، ومسروق بن الأجدع ، وقيس بن حازم ، وشقيق
وعبد الله بن سنجرة ، وأبو ميسرة عمرو بن شرحبيل ، والشعبي ، وحارثة بن مضرب
وغيرهم ، وزاد ابن حجر العسقلاني في ( تهذيب التهذيب ) : أنه روى عنه أبو أمامة
الباهلي ، وأبو معمر عبد الله بن الشخير ، وعلقمة بن قيس ، وأبو وائل ، وحارثة
ابن مضرب ، وأبو الكنود الأزدي ، وأبو ليلى الكندي ، ( قال ) وأرسل عنه
مجاهد ، والشعبي ، وسليمان بن أبي هند .
وخباب : بخاء معجمة مفتوحة وباء موحدة مشددة والف وباء موحدة ،
و ( الأرت ) بهمزة وراء مهملة مفتوحتين ومثناة فوقانية مشددة ، وأصل الأرت من
في لسان عقدة وحبسة لا يطاوعه لسانه عند إرادة الكلام فإذا شرع فيه اتصل كلامه
ولعل أباه كان كذلك .
وأخبار خباب بن الأرت كثيرة ، انظرها في كتب التاريخ وفي المعاجم
الرجالية .