وهذه الصفات التي ذكروها والنعوت التي عددوها هي أصول المناقب
وأمهات الفضائل ، ويلزمها العدالة المعتبرة في صحة الحديث ، فإنها : الملكة
الباعثة على ملازمة التقوى ، وترك ما ينافي المروة ( 1 ) ومن وصفه بالزهد
والديانة والورع يعلم وجود ملكة التقوى ، ويتأكد بانضمام باقي النعوت
الجميلة والمزايا الجليلة .
وأما المروة فانتفاؤها - عند التحقيق - لنقصان في العقل ، أو عدم
مبالات بالشرع ، والثاني مناف للتقوى ، فينتفي بثبوتها . والأول يقتضى
سقوط المحل وضعة المنزلة وانحطاط الرتبة ، كما هو معلوم بمقتضى العادة .
وفي أدنى النعوت المذكورة ما يسقط به احتمال ذلك .
وأما الضبط ، فالامر فيه هين عند . من يجعله من لوازم العدالة ،
كالشهيد الثاني ومن وافقه ، فإنهم عرفوا الصحيح : بما اتصل سنده إلى
المعصوم بنقل العدل عن مثله في جميع الطبقات ، وأسقطوا قيد الضبط من
الحد ، وعللوه بالاستغناء عنه بالعدالة المانعة عن نقل غير المضبوط .
وأما من جعله شرطا زائدا ، وهم الأكثر ، فقد صرحوا بان الحاجة
هامش
( 1 ) العدالة - لغة - : مأخوذة من العدل وهو الاستقامة في كل شئ ، وما
تركز في النفس ضد الجور . وفي اصطلاح الفقهاء - حيث أخذوها شرطا في
مرجعية التقليد ، وامامة الجماعة ، والبينة ، وغيرها من المواضيع التي اشترطت فيه -
هي : الملكة الباعثة على ملازمة التقوى - كما في المتن - أو ملكة إتيان الواجبات
وترك المحرمات - كما نسب إلى عامة الفقهاء المتقدمين والمتأخرين من الفريقين -
أو أنها : مجرد ترك المعاصي ، أو الكبائر منها : - كما عن العلامة الحلي - أو انها :
الاجتناب عن المعاصي عن ملكة - كما عن المفيد في مقنعته - وغيرها كثير من
التعاريف التي تحوم حول : أنها معنى نفسي وعمل خارجي ، أو أعمال خارجية
جوارحية فقط .
والظاهر أن العدالة حصيلة شيئين : معنى نفسي هو الملكة ، وفعل خارجي
هو الامتثال - كما ربما يشير إليه التعريف الأخير - ويشهد له قول الإمام الصادق عليه
السلام لابن أبي يعفور - وقد سأله : بم تعرف عدالة الرجل بين المسلمين حتى تقبل
شهادته لهم وعليهم - : " أن تعرفوه بالسر والعفاف ، وكف البطن والفرج واليد
واللسان . . . " فالسر والعفاف من المعنى الأول ، والأخريات من المعنى الثاني .
( ولتفصيل الموضوع ، راجع : هامش ص 168 من الجزء الأول من كتاب
تلخيص الشافي ) طبع النجف الأشرف .