تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفوائد الرجالية — صفحة 153

مساهمون:

ص١٥٣
وقتب ( 1 ) ثم ابعث به من ينجش به نجشا ( 2 ) عنيفا حتى يقدم به علي . فلما قدم به على عثمان كان مما أنبه به : أن قال : إنه خير من أبي بكر وعمر ، فقال أبو ذر : أجل - والله - لقد رأيتني رابع أربعة مع رسول الله ( ص ) ما أسلم غيرنا ، وما أسلم أبو بكر ولا عمر . فقال علي عليه السلام : " والله لقد رأيته - وهو رابع الاسلام " ( 3 ) . ثم إن عثمان نفاه إلى ( الربذة ) فلم يزل ( 4 ) بها حتى مات . وكانت
هامش
( 1 ) الناب : الناقة المسنة العجفاء ، والقتب - بالتحريك - : رحل الناقة . ( 2 ) النجش - بالنون والمفتوحة والجيم الساكنة ثم الشين المعجمة - : مصدر نجش ينجش ، على زنة قعد يقعد : هو السوق السريع الحثيث ، قال الشاعر الجاهلي : فما لها الليلة من إنفاش * غير السرى وسائق نجاش ( 3 ) مر عليك - آنفا - عن عامة المؤرخين لأبي ذر من الفريقين مضمون هذا الحديث من أنه رابع الاسلام . ( 4 ) إن نفي عثمان أبا ذر من المدينة إلى الشام ، ثم نفيه من المدينة - بعد أن استقدمه إليها - إلى الربذة حتى مات فيها ، امر لا ينكره أحد من المؤرخين - وان اختلفوا في كيفيته وما جرى بينه وبين عثمان مما أدى إلى نفيه - وبعض المؤرخين وأرباب المعاجم لم يشأ أن يذكر الحقيقة وواقع الحال ، وهي " شنشنة أعرفها . . . " يحدثنا ابن واضح اليعقوبي في ( تاريخه : ج 2 ص 148 ) طبع النجف الأشرف سنة 1358 : " . . . وبلغ عثمان أن أبا ذر يقع فيه ويذكر ما غير وبدل من سنن رسول الله ( ص ) وسنن أبي بكر وعمر ، فسيره إلى الشام إلى معاوية ، وكان يجلس في المجلس ، فيقول كما كان يقول ، ويجتمع إليه الناس حتى كثر من يجتمع إليه ويسمع منه ، وكان يقف على باب دمشق إذا صلى صلاة الصبح ، فيقول : جاءت القطار تحمل النار ، لعن الله الامرين بالمعروف ، التاركين له ، ولعن الله الناهين عن المنكر والآتين له . وكتب معاوية إلى عثمان : إنك قد أفسدت الشام على نفسك بأبي ذر فكتب إليه : أن احمله على قتب بغير وطاء ، فقدم به إلى المدينة ، وقد ذهب لحم فخذيه فلما دخل إليه - وعنده جماعة - قال : بلغني أنك تقول : سمعت رسول الله ( ص ) يقول : إذا كملت بنو أمية ثلاثين رجلا اتخذوا بلاد الله دولا ، وعباد الله خولا ودين الله دغلا ، فقال : نعم سمعت رسول الله ( ص ) يقول ذلك ، فقال لهم : أسمعتم رسول الله يقول ذلك ؟ فبعث إلى علي بن أبي طالب - عليه السلام - فأتاه . فقال : يا أبا الحسن ، أسمعت رسول الله يقول ما حكاه أبو ذر - وقص عليه الخبر - ؟ فقال علي - عليه السلام - نعم ، قال : فكيف تشهد ؟ قال : لقول رسول الله ( ص ) : " ما أظلت الخضر ولا أقلت الغبراء ذا لهجة أصدق من أبي ذر " فلم يقم بالمدينة إلا أياما حتى أرسل إليه عثمان : " والله لتخرجن عنها " قال : أتخرجني من حرم رسول الله ( ص ) ؟ قال : نعم ، وأنفك راغم ، قال : فإلى مكة ؟ قال : لا ، قال فإلى البصرة ؟ قال : لا قال : فإلى الكوفة ؟ قال : لا ، ولكن إلى ( الربذة ) التي خرجت منها حتى تموت بها . يا مروان أخرجه ولا تدع أحدا يكلمه حتى يخرج . فأخرجه على جمل ، ومعه امرأته وابنته ، فخرج علي والحسن والحسين عليهم السلام ، وعبد الله بن جعفر ( رض ) وعمار بن ياسر ( رض ) ينظرون ، فلما رأى أبو ذر عليا - عليه السلام - قام إليه فقبل يده ، ثم بكى ، وقال : إني إذا رأيتك ورأيت ولدك ذكرت قول رسول الله ( ص ) فلم أصبر حتى أبكي ، فذهب علي - عليه السلام - يكلمه ، فقال مروان : إن أمير المؤمنين قد نهى أن يكلمه أحد ، فرفع علي - عليه السلام - السوط فضرب وجه ناقة مروان وقال : تنح ، نحاك الله إلى النار ، ثم شيعه وكلمه بكلام يطول شرحه ، وتكلم كل رجل من القوم ، وانصرفوا ، وانصرف مروان إلى عثمان ، فجرى بينه وبين علي - عليه السلام - في هذا - بعض الوحشة وتلاحيا كلاما ، فلم يزل أبو ذر بالربذة حتى توفي " . وذكر مثله السيد علي خان المدني في ( الدرجات الرفيعة : ص 242 ) طبع النجف الأشرف سنة 1381 ه‍ . اما ابن أبي الحديد فقد ذكر ذلك في شرح نهج البلاغة ( ج 2 ص 375 ) طبع مصر سنة 1329 ه‍ ، عنه شرحه لكلام أمير المؤمنين عليه السلام ، وخطابه لأبي ذر - حين اخرج إلى الربذة ، وقال : " روى هذا الكلام أبو بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري في ( كتاب السقيفة ) عن عبد الرزاق عن أبيه عن عكرمة عن ابن عباس " - ثم قال : ص 376 - " . . . واعلم أن الذي عليه أكثر أرباب السيرة وعلماء الاخبار والنقل : أن عثمان نفى أبا ذر أولا إلى الشام ، ثم استقدمه إلى المدينة لما شكا منه معاوية ، ثم نفاه من المدينة إلى الربذة لما عمل بالمدينة نظير ما كان يعمل بالشام " . ثم ذكر أصل هذه الواقعة - بطولها - نقلا عن أبي عثمان الجاحظ في كتاب ( السفيانية ) عن جلام بن جندل الغفاري عامل معاوية على ( قنسرين ) والعواصم - في خلافة عثمان - ومما جاء فيها " . . . ثم قال ( اي معاوية ) أدخلوه علي ، فجيئ بأبي ذر بين قوم يقودونه حتى وقف بين يديه ، فقال له معاوية : يا عدو الله وعدو رسوله ، تأتينا في كل يوم فتصنع ما تصنع ، اما إني لو كنت قاتل رجل من أصحاب محمد من غير إذن أمير المؤمنين عثمان لقتلتك ، ولكني أستأذن فيك ، قال جلام : وكنت أحب أن أرى أبا ذر لأنه رجل من قومي ، فالتفت إليه فإذا رجل أسمر ، ضرب من الرجال ، خفيف العارضين ، في ظهره حناء ، فأقبل على معاوية وقال : ما أنا بعدو لله ولا لرسوله ، بل أئت وأبوك عدو ان لله ولرسوله أظهرتما الاسلام وأبطنتما الكفر ، ولقد لعنك رسول الله ( ص ) ودعا عليك - مرات - أن لا تشبع ، سمعت رسول الله ( ص ) يقول : إذا ولي الأمة الأعين ، الواسع البلعوم الذي يأكل ولا يشبع ، فلتأخذ الأمة حذرها منه . فقال معاوية : ما أنا ذلك الرجل قال أبو ذر : بل أنت ذلك الرجل ، أخبرني بذلك رسول الله ( ص ) : وسمعته يقول - وقد مررت به - اللهم العنه ولا تشبعه إلا بالتراب ، وسمعته ( ص ) يقول : أست معاوية في النار . فضحك معاوية وأمر بحبسه ، وكتب إلى عثمان فيه ، فكتب عثمان إلى معاوية : أن احمل جندبا إلي على أغلظ مركب وأوعره ، فوجه به مع من سار به الليل والنهار ، وحمله على ( شارف ) ليس عليها إلا قتب حتى قدم به المدينة - وقد سقط لحم فخذيه من الجهد - فلما قدم بعث إليه عثمان : إلحق بأي أرض شئت ، قال بمكة ؟ قال : لا ، قال : بيت المقدس ؟ قال : لا ، قال : بأحد المصرين ؟ قال : لا ، ولكني مسيرك إلى ( الربذة ) فسيره إليها ، فلم يزل بها حتى مات " . وذكر أيضا في ( ج 1 ص 240 - 241 ) من شرحه : " . . . وبنى معاوية ( الخضراء ) بدمشق ، فقال أبو ذر - رحمه الله - : يا معاوية إن كانت هذه من مال الله فهي الخيانة " وإن كانت من مالك فهو الاسراف ، وكان يقول أبو ذر - رحمه الله - : والله لقد حدثت أعمال ما أعرفها ، والله ما هي في كتاب الله ولا سنة نبيه ، والله إني لأرى حقا يطفأ وباطلا يحيى ، وصادقا مكذبا ، وأثرة بغير تقى وصالحا مستأثرا عليه . فقال جندب بن مسلمة الفهري لمعاوية : ان أبا ذر لمفسد عليكم الشام ، فتدارك أهله إن كانت لكم حاجة فيه ، فكتب معاوية إلى عثمان فيه " إلى آخر حديثه - الآنف - . ثم ذكر : " أنه لما غضب عثمان على أبي ذر ، قال : أشيروا علي في هذا الشيخ الكذاب ، إما أن أضربه أو أحبسه أو أقتله فإنه قد فرق جماعة المسلمين أو أنفيه من أرض الاسلام ، فتكلم علي - عليه السلام - وكان حاضرا ، وقال : أشير عليك بما قاله مؤمن آل فرعون ( فان بك كاذبا فعليه كذبه ، وان بك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب ) قال : فأجابه عثمان بجواب غليظ لا أحب ذكره ، وأجابه عليه السلام بمثله " . وانظر ذلك أيضا في مروج الذهب للمسعودي بهامش تاريخ الكامل ( ج 5 ص 161 ) طبع مصر سنة 1303 ه‍ ، ورجال الكشي : ص 28 طبع النجف الأشرف و ( ج 4 ص 115 ) من تلخيص الشافي طبع النجف الأشرف سنة 1385 ه‍ ، وأنساب الأشراف للبلاذري ( ج 5 ص 53 ) طبع مصر أوفسيت . وأما ابن جرير الطبري فيقول في ( حوادث سنة 30 ه‍ من تاريخه ) : " في هذه السنة كان ما ذكر من أمر أبي ذر ومعاوية ، وإشخاص معاوية إياه من الشام إلى المدينة وقد ذكر في سبب إشخاصه إياه منها إليها أمور كثيرة كرهت ذكر أكثرها " . وتبعه في ذلك ابن الأثير الجزري في ( حوادث سنة 30 ه‍ ، من تاريخه الكامل ) فقال : " في هذه السنة كان ما ذكر في أمر أبي ذر وإشخاص معاوية إياه من الشام إلى المدينة ، وقد ذكر في سبب ذلك أمور كثيرة : من سب معاوية إياه ، وتهديده بالقتل ، وحمله إلى المدينة من الشام بغير وطاء ، ونفيه من المدينة على الوجه الشنيع كرهت ذكرها " . ولا غرابة من هذين المؤرخين في عدم ذكرهما للأسباب والأمور ، لئلا يتضح الواقع ، فان الاناء ينضح بما فيه : أو يحدث ابن الجوزي في ( صفوة الصفوة : ج 1 ص 243 ) طبع حيدر آباد دكن ، فيقول : " روى البخاري في أفراده من حديث زيد بن وهب ، قال : مررت بالربذة ، فقلت لأبي ذر : ما أنزلك هنا ؟ قال : كنت = بالشام ، فاختلفت أنا ومعاوية في هذه الآية ( الذين يكنزون الذهب والفضة . . . ) فقال : نزلت في أهل الكتاب ، فقلت : فينا وفيهم ، فكتب يشكوني إلى عثمان ، فكتب عثمان أقدام المدينة ، فقدمت فكثر الناس علي كأنهم لم يروني قبل ذلك ، فذكر ذلك لعثمان فقال : إن شئت تنحيت فكنت قريبا ، فذلك الذي أنزلني هذا المنزل " وروى مثله البخاري - في صحيحه من كتاب الزكاة - باب ما أدي زكاته فليس بكنز . فانظر إلى البخاري كيف يحور القضية تحويرا لا يوافقه عليه أحد من المؤرخين ويحدثنا البلاذري في ( أنساب الأشراف : ج 5 ص 54 ) بسنده عن معمر عن قتادة قال : تكلم أبو ذر بشئ كرهه عثمان ، فكذبه فقال : ما ظننت أن أحدا يكذبني بعد قول رسول الله ( ص ) ( ما أقلت الغبراء ولا أطبقت الخضراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر ) ثم سيره إلى الربذة ، فكان أبو ذر يقول : ما ترك الحق لي صديقا ، فلما سار إلى الربذة ، قال : ردني عثمان بعد الهجرة أعرابيا . قال : وشيع علي أبا ذر فأراد مروان منعه منه ، فضرب علي بسوطه بين أذني راحلته ، وجرى بين علي وعثمان في ذلك كلام حتى قال عثمان : ما أنت بأفضل عندي منه ، وتغالظا فأنكر الناس قول عثمان ودخلوا بينهما حتى اصطلحا . ثم قال البلاذري : وقد روي - أيضا - : انه لما بلغ عثمان موت أبي ذر بالربذة قال : رحمه الله ، فقال عمار بن ياسر : نعم ، فرحمه الله من كل أنفسنا ، فقال عثمان : يا عاض أير أبيه ، أتراني ندمت على تسييره ، وأمر فدفع في قفاه ، وقال : إلحق بمكانه ، فلما تهيأ للخروج جاءت بنو مخزوم إلى علي فسألوه ان يكلم عثمان فيه فقال له علي : يا عثمان ، اتق الله ، فإنك سيرت رجلا صالحا من المسلمين فهلك في تسييرك ثم أنت الآن تريد أن تنفي نظيره ، وجرى بينهما كلام حتى قال عثمان أنت أحق بالنفي منه ، فقال علي : رم ذلك إن شئت ، واجتمع المهاجرون فقالوا : ان كانت كلما كلمك رجل سيرته ونفيته فان هذا شئ لا يسوغ ، فكف عن عمار " .
الفوائد الرجالية — صفحة 153 | السيد محمد مهدي بحر العلوم / السيد محمد صادق بحر العلوم / حسين بحر العلوم