وقتب ( 1 ) ثم ابعث به من ينجش به نجشا ( 2 ) عنيفا حتى يقدم به علي . فلما قدم
به على عثمان كان مما أنبه به : أن قال : إنه خير من أبي بكر
وعمر ، فقال أبو ذر : أجل - والله - لقد رأيتني رابع أربعة مع رسول الله ( ص )
ما أسلم غيرنا ، وما أسلم أبو بكر ولا عمر . فقال علي عليه السلام : " والله
لقد رأيته - وهو رابع الاسلام " ( 3 ) .
ثم إن عثمان نفاه إلى ( الربذة ) فلم يزل ( 4 ) بها حتى مات . وكانت
هامش
( 1 ) الناب : الناقة المسنة العجفاء ، والقتب - بالتحريك - : رحل الناقة .
( 2 ) النجش - بالنون والمفتوحة والجيم الساكنة ثم الشين المعجمة - : مصدر
نجش ينجش ، على زنة قعد يقعد : هو السوق السريع الحثيث ، قال الشاعر الجاهلي :
فما لها الليلة من إنفاش * غير السرى وسائق نجاش
( 3 ) مر عليك - آنفا - عن عامة المؤرخين لأبي ذر من الفريقين مضمون هذا
الحديث من أنه رابع الاسلام .
( 4 ) إن نفي عثمان أبا ذر من المدينة إلى الشام ، ثم نفيه من المدينة - بعد أن
استقدمه إليها - إلى الربذة حتى مات فيها ، امر لا ينكره أحد من المؤرخين - وان
اختلفوا في كيفيته وما جرى بينه وبين عثمان مما أدى إلى نفيه - وبعض المؤرخين
وأرباب المعاجم لم يشأ أن يذكر الحقيقة وواقع الحال ، وهي " شنشنة أعرفها . . . "
يحدثنا ابن واضح اليعقوبي في ( تاريخه : ج 2 ص 148 ) طبع النجف الأشرف
سنة 1358 : " . . . وبلغ عثمان أن أبا ذر يقع فيه ويذكر ما غير وبدل من سنن
رسول الله ( ص ) وسنن أبي بكر وعمر ، فسيره إلى الشام إلى معاوية ، وكان يجلس
في المجلس ، فيقول كما كان يقول ، ويجتمع إليه الناس حتى كثر من يجتمع إليه ويسمع
منه ، وكان يقف على باب دمشق إذا صلى صلاة الصبح ، فيقول : جاءت القطار
تحمل النار ، لعن الله الامرين بالمعروف ، التاركين له ، ولعن الله الناهين عن المنكر
والآتين له .
وكتب معاوية إلى عثمان : إنك قد أفسدت الشام على نفسك بأبي ذر فكتب
إليه : أن احمله على قتب بغير وطاء ، فقدم به إلى المدينة ، وقد ذهب لحم فخذيه
فلما دخل إليه - وعنده جماعة - قال : بلغني أنك تقول : سمعت رسول الله ( ص )
يقول : إذا كملت بنو أمية ثلاثين رجلا اتخذوا بلاد الله دولا ، وعباد الله خولا
ودين الله دغلا ، فقال : نعم سمعت رسول الله ( ص ) يقول ذلك ، فقال لهم : أسمعتم
رسول الله يقول ذلك ؟ فبعث إلى علي بن أبي طالب - عليه السلام - فأتاه . فقال :
يا أبا الحسن ، أسمعت رسول الله يقول ما حكاه أبو ذر - وقص عليه الخبر - ؟ فقال
علي - عليه السلام - نعم ، قال : فكيف تشهد ؟ قال : لقول رسول الله ( ص ) : " ما أظلت
الخضر ولا أقلت الغبراء ذا لهجة أصدق من أبي ذر " فلم يقم بالمدينة إلا أياما حتى
أرسل إليه عثمان : " والله لتخرجن عنها " قال : أتخرجني من حرم رسول الله ( ص ) ؟
قال : نعم ، وأنفك راغم ، قال : فإلى مكة ؟ قال : لا ، قال فإلى البصرة ؟ قال : لا
قال : فإلى الكوفة ؟ قال : لا ، ولكن إلى ( الربذة ) التي خرجت منها حتى تموت
بها . يا مروان أخرجه ولا تدع أحدا يكلمه حتى يخرج . فأخرجه على جمل ، ومعه
امرأته وابنته ، فخرج علي والحسن والحسين عليهم السلام ، وعبد الله بن جعفر ( رض )
وعمار بن ياسر ( رض ) ينظرون ، فلما رأى أبو ذر عليا - عليه السلام - قام إليه فقبل
يده ، ثم بكى ، وقال : إني إذا رأيتك ورأيت ولدك ذكرت قول رسول الله ( ص )
فلم أصبر حتى أبكي ، فذهب علي - عليه السلام - يكلمه ، فقال مروان : إن أمير المؤمنين
قد نهى أن يكلمه أحد ، فرفع علي - عليه السلام - السوط فضرب وجه ناقة مروان
وقال : تنح ، نحاك الله إلى النار ، ثم شيعه وكلمه بكلام يطول شرحه ، وتكلم كل
رجل من القوم ، وانصرفوا ، وانصرف مروان إلى عثمان ، فجرى بينه وبين علي
- عليه السلام - في هذا - بعض الوحشة وتلاحيا كلاما ، فلم يزل أبو ذر بالربذة
حتى توفي " .
وذكر مثله السيد علي خان المدني في ( الدرجات الرفيعة : ص 242 ) طبع
النجف الأشرف سنة 1381 ه .
اما ابن أبي الحديد فقد ذكر ذلك في شرح نهج البلاغة ( ج 2 ص 375 )
طبع مصر سنة 1329 ه ، عنه شرحه لكلام أمير المؤمنين عليه السلام ، وخطابه
لأبي ذر - حين اخرج إلى الربذة ، وقال : " روى هذا الكلام أبو بكر أحمد بن
عبد العزيز الجوهري في ( كتاب السقيفة ) عن عبد الرزاق عن أبيه عن عكرمة عن ابن
عباس " - ثم قال : ص 376 - " . . . واعلم أن الذي عليه أكثر أرباب السيرة وعلماء
الاخبار والنقل : أن عثمان نفى أبا ذر أولا إلى الشام ، ثم استقدمه إلى المدينة لما شكا منه
معاوية ، ثم نفاه من المدينة إلى الربذة لما عمل بالمدينة نظير ما كان يعمل بالشام " .
ثم ذكر أصل هذه الواقعة - بطولها - نقلا عن أبي عثمان الجاحظ في كتاب
( السفيانية ) عن جلام بن جندل الغفاري عامل معاوية على ( قنسرين ) والعواصم
- في خلافة عثمان - ومما جاء فيها " . . . ثم قال ( اي معاوية ) أدخلوه علي ،
فجيئ بأبي ذر بين قوم يقودونه حتى وقف بين يديه ، فقال له معاوية : يا عدو الله
وعدو رسوله ، تأتينا في كل يوم فتصنع ما تصنع ، اما إني لو كنت قاتل
رجل من أصحاب محمد من غير إذن أمير المؤمنين عثمان لقتلتك ، ولكني أستأذن
فيك ، قال جلام : وكنت أحب أن أرى أبا ذر لأنه رجل من قومي ، فالتفت إليه
فإذا رجل أسمر ، ضرب من الرجال ، خفيف العارضين ، في ظهره حناء ، فأقبل
على معاوية وقال : ما أنا بعدو لله ولا لرسوله ، بل أئت وأبوك عدو ان لله ولرسوله
أظهرتما الاسلام وأبطنتما الكفر ، ولقد لعنك رسول الله ( ص ) ودعا عليك - مرات -
أن لا تشبع ، سمعت رسول الله ( ص ) يقول : إذا ولي الأمة الأعين ، الواسع البلعوم
الذي يأكل ولا يشبع ، فلتأخذ الأمة حذرها منه . فقال معاوية : ما أنا ذلك الرجل
قال أبو ذر : بل أنت ذلك الرجل ، أخبرني بذلك رسول الله ( ص ) : وسمعته يقول
- وقد مررت به - اللهم العنه ولا تشبعه إلا بالتراب ، وسمعته ( ص ) يقول : أست
معاوية في النار . فضحك معاوية وأمر بحبسه ، وكتب إلى عثمان فيه ، فكتب عثمان
إلى معاوية : أن احمل جندبا إلي على أغلظ مركب وأوعره ، فوجه به مع من سار
به الليل والنهار ، وحمله على ( شارف ) ليس عليها إلا قتب حتى قدم به المدينة - وقد
سقط لحم فخذيه من الجهد - فلما قدم بعث إليه عثمان : إلحق بأي أرض شئت ، قال
بمكة ؟ قال : لا ، قال : بيت المقدس ؟ قال : لا ، قال : بأحد المصرين ؟ قال :
لا ، ولكني مسيرك إلى ( الربذة ) فسيره إليها ، فلم يزل بها حتى مات " .
وذكر أيضا في ( ج 1 ص 240 - 241 ) من شرحه : " . . . وبنى معاوية
( الخضراء ) بدمشق ، فقال أبو ذر - رحمه الله - : يا معاوية إن كانت هذه من
مال الله فهي الخيانة " وإن كانت من مالك فهو الاسراف ، وكان يقول أبو ذر
- رحمه الله - : والله لقد حدثت أعمال ما أعرفها ، والله ما هي في كتاب الله ولا سنة
نبيه ، والله إني لأرى حقا يطفأ وباطلا يحيى ، وصادقا مكذبا ، وأثرة بغير تقى
وصالحا مستأثرا عليه . فقال جندب بن مسلمة الفهري لمعاوية : ان أبا ذر لمفسد
عليكم الشام ، فتدارك أهله إن كانت لكم حاجة فيه ، فكتب معاوية إلى عثمان فيه "
إلى آخر حديثه - الآنف - .
ثم ذكر : " أنه لما غضب عثمان على أبي ذر ، قال : أشيروا علي في هذا
الشيخ الكذاب ، إما أن أضربه أو أحبسه أو أقتله فإنه قد فرق جماعة المسلمين
أو أنفيه من أرض الاسلام ، فتكلم علي - عليه السلام - وكان حاضرا ، وقال :
أشير عليك بما قاله مؤمن آل فرعون ( فان بك كاذبا فعليه كذبه ، وان بك صادقا
يصبكم بعض الذي يعدكم إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب ) قال : فأجابه
عثمان بجواب غليظ لا أحب ذكره ، وأجابه عليه السلام بمثله " .
وانظر ذلك أيضا في مروج الذهب للمسعودي بهامش تاريخ الكامل ( ج 5
ص 161 ) طبع مصر سنة 1303 ه ، ورجال الكشي : ص 28 طبع النجف الأشرف
و ( ج 4 ص 115 ) من تلخيص الشافي طبع النجف الأشرف سنة 1385 ه ، وأنساب الأشراف
للبلاذري ( ج 5 ص 53 ) طبع مصر أوفسيت .
وأما ابن جرير الطبري فيقول في ( حوادث سنة 30 ه من تاريخه ) : " في هذه
السنة كان ما ذكر من أمر أبي ذر ومعاوية ، وإشخاص معاوية إياه من الشام إلى المدينة
وقد ذكر في سبب إشخاصه إياه منها إليها أمور كثيرة كرهت ذكر أكثرها " .
وتبعه في ذلك ابن الأثير الجزري في ( حوادث سنة 30 ه ، من تاريخه الكامل )
فقال : " في هذه السنة كان ما ذكر في أمر أبي ذر وإشخاص معاوية إياه من الشام
إلى المدينة ، وقد ذكر في سبب ذلك أمور كثيرة : من سب معاوية إياه ، وتهديده
بالقتل ، وحمله إلى المدينة من الشام بغير وطاء ، ونفيه من المدينة على الوجه الشنيع
كرهت ذكرها " .
ولا غرابة من هذين المؤرخين في عدم ذكرهما للأسباب والأمور ، لئلا يتضح
الواقع ، فان الاناء ينضح بما فيه : أو يحدث ابن الجوزي في ( صفوة الصفوة : ج 1
ص 243 ) طبع حيدر آباد دكن ، فيقول : " روى البخاري في أفراده من حديث
زيد بن وهب ، قال : مررت بالربذة ، فقلت لأبي ذر : ما أنزلك هنا ؟ قال : كنت
= بالشام ، فاختلفت أنا ومعاوية في هذه الآية ( الذين يكنزون الذهب والفضة . . . ) فقال :
نزلت في أهل الكتاب ، فقلت : فينا وفيهم ، فكتب يشكوني إلى عثمان ، فكتب عثمان
أقدام المدينة ، فقدمت فكثر الناس علي كأنهم لم يروني قبل ذلك ، فذكر ذلك لعثمان
فقال : إن شئت تنحيت فكنت قريبا ، فذلك الذي أنزلني هذا المنزل " وروى
مثله البخاري - في صحيحه من كتاب الزكاة - باب ما أدي زكاته فليس بكنز .
فانظر إلى البخاري كيف يحور القضية تحويرا لا يوافقه عليه أحد من المؤرخين
ويحدثنا البلاذري في ( أنساب الأشراف : ج 5 ص 54 ) بسنده عن معمر عن قتادة
قال : تكلم أبو ذر بشئ كرهه عثمان ، فكذبه فقال : ما ظننت أن أحدا يكذبني
بعد قول رسول الله ( ص ) ( ما أقلت الغبراء ولا أطبقت الخضراء على ذي لهجة
أصدق من أبي ذر ) ثم سيره إلى الربذة ، فكان أبو ذر يقول : ما ترك الحق لي
صديقا ، فلما سار إلى الربذة ، قال : ردني عثمان بعد الهجرة أعرابيا . قال : وشيع
علي أبا ذر فأراد مروان منعه منه ، فضرب علي بسوطه بين أذني راحلته ، وجرى
بين علي وعثمان في ذلك كلام حتى قال عثمان : ما أنت بأفضل عندي منه ، وتغالظا
فأنكر الناس قول عثمان ودخلوا بينهما حتى اصطلحا .
ثم قال البلاذري : وقد روي - أيضا - : انه لما بلغ عثمان موت أبي ذر بالربذة
قال : رحمه الله ، فقال عمار بن ياسر : نعم ، فرحمه الله من كل أنفسنا ، فقال
عثمان : يا عاض أير أبيه ، أتراني ندمت على تسييره ، وأمر فدفع في قفاه ، وقال :
إلحق بمكانه ، فلما تهيأ للخروج جاءت بنو مخزوم إلى علي فسألوه ان يكلم عثمان فيه
فقال له علي : يا عثمان ، اتق الله ، فإنك سيرت رجلا صالحا من المسلمين فهلك في
تسييرك ثم أنت الآن تريد أن تنفي نظيره ، وجرى بينهما كلام حتى قال عثمان أنت
أحق بالنفي منه ، فقال علي : رم ذلك إن شئت ، واجتمع المهاجرون فقالوا : ان
كانت كلما كلمك رجل سيرته ونفيته فان هذا شئ لا يسوغ ، فكف عن عمار " .