منهم من لا يمنعهم الفساد إلا مهانة نفسه وكلالة حده ونضيض وفره ( 1 ) .
ومنهم المصلت لسيفه والمعلن بشره ، قد أشرط نفسه وأوبق دينه لحطام
ينتهزه أو مقنب يقوده أو منبر يفرعه ( 2 ) . ولبئس المتجر أن
ترى الدنيا لنفسك ثمنا . ومنهم من يطلب الدنيا بعمل الآخرة . ولا يطلب
الآخرة بعمل الدنيا : قد طامن من شخصه وقارب من خطوه وشمر من
ثوبه وزخرف من نفسه للأمانة . واتخذ ستر الله ذريعة إلى المعصية
ومنهم من أبعده عنه طلب الملك ضؤولة نفسه وانقطاع سببه ، فقصرته
الحال على حاله فتحلى باسم القناعة وتزين بلباس أهل الزهادة ! وبقي رجال غض أبصارهم ذكر المرجع وأراق دموعهم خوف
المحشر ، فهم بين شريد ناد وخائف مقموع وساكت مكعوم وداع
مخلص وثكلان موجع ( 3 ) . قد أخملتهم التقية ( 4 ) وشملتهم الذلة .
هامش
1 - أي : لا يقعده بهم عن طلب الإمارة والسلطان إلا حقارة نفوسهم وضعف سلاحهم
وقلة مالهم .
2 - أصلت السيف ، امتشقه . أشرط نفسه : هيأها وأعدها للشر والفساد في الأرض .
أوبق دينه ، أهلكه . الحطام ، هنا : المال ينتهزه : يغتنمه أو يختلسه . المقنب :
طائفة من الخيل وإنما يطلب قود المقنب تعززا على الناس وكبرا . فرع
المنبر : علاه .
3 - ناد ، هارب من الجماعة إلى الوحدة . المقموع : المقهور . المكعوم ، من كعم
البعير ، أي شد فاه لئلا يأكل أو يعض . الثكلان ، الحزين
4 - أخمله ، أسقط ذكره حتى لم يبق له بين الناس نباهة . التقية : اتقاء الظلم
بإخفاء الحال .